هل يحرم على الوالدين تفضيل أحد أولادهما؟
سؤال رقم 1142
السؤال
هل يأثم الوالدان إذا كان لهما ولد مفضَّل، أو إذا عاملا أحد الأبناء أو البنات أحسن من إخوته؟
ملخص الجواب
يجب على الوالدين أن يعدلا بين أولادهما. فحين وهب والد النعمان بن بشير ابنه عطية، قال له النبي ﷺ: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، وأبى أن يشهد على عطية فيها تفضيل (صحيح البخاري 2587). وميل القلب خارج عن طاقة الإنسان فلا لوم فيه، أما العطايا والوقت والثناء والامتيازات فتجب قسمتها بالعدل، بين البنات والبنين سواء.
الجواب
الحمد لله

يجد كثير من الآباء والأمهات قرباً خاصاً من أحد أولادهم: البكر، أو الأصغر، أو أشبههم بهم. وكثير من الأبناء الكبار ما زالوا يحملون ذكرى أخ أو أخت كان مقدَّماً عليهم دائماً. والإسلام يخاطب الفريقين. فالحب الذي ينبت في القلب بغير اختيار لا لوم فيه، وإنما تنهى السنة عن العمل بمقتضاه ظلماً. وتفضيل أحد الأولاد في العطايا أو الاهتمام أو الامتيازات أو الثناء حرام على القول الأرجح، لأن النبي ﷺ أمر الوالدين بالعدل بين أولادهم، وأبى أن يشهد على ما دون ذلك.
ماذا قال النبي ﷺ في تفضيل أحد الأولاد؟
حدّث النعمان بن بشير رضي الله عنه بهذه القصة على المنبر بعد سنين. فقد وهبه أبوه عطية، فأصرّت أمه عمرة بنت رواحة على أن يُشهد عليها النبيَّ ﷺ. فسأل النبي ﷺ أباه: أأعطى سائر ولده مثل ذلك؟ فلما قال: لا، قال ﷺ:
«فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ»
فرجع الأب فردّ عطيته. وفي رواية أخرى قال النبي ﷺ: «فَلاَ تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» (صحيح مسلم 1623). وفي رواية ثالثة بيّن العلة في سؤال واحد:
«أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً»
فقال الأب: بلى، فقال ﷺ: «فَلاَ إِذًا». فالأولاد الذين يُعاملون بالسوية ينشؤون على محبة والديهم ومحبة بعضهم بعضاً، والأولاد الذين يُفاضَل بينهم يتعلمون الضغينة.
هل يحرم أن يحب الوالد أحد أولاده أكثر؟
للقلب حركاته الخاصة، والله لا يحاسب الإنسان على ما لا يملك: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ (سورة البقرة: 286). ويرسم القرآن هذا الحد في مسألة نظيرة: فهو يخبر الزوج الذي له أكثر من زوجة بأنه لن يستطيع أن يعدل بينهن عدلاً تاماً في المشاعر، ثم يأمره:
فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ
وقد طبّق العلماء القاعدة نفسها على الأولاد: قد تتفاوت المشاعر، أما المعاملة فيجب أن تكون عادلة. وفي حديث أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ» (سنن أبي داود 2134)، يعني القلب. وقد ضعّف الألباني إسناده، غير أن معناه هو ما تلقّاه العلماء بالقبول.
ماذا تعلّم قصة يوسف الوالدين؟
تبدأ أطول قصة أسرية في القرآن بشعور بالتفضيل. فقد قال إخوة يوسف: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ﴾ (سورة يوسف: 8). وكان يعقوب عليه السلام نبياً لم يظلم أحداً من بنيه، لكنه كان يعلم كيف يمكن أن تنمو غيرتهم، فنهى يوسف أن يقصّ عليهم رؤياه (سورة يوسف: 5). وقادت ضغينة الإخوة إلى أن ألقوا يوسف في البئر، وفطروا قلب أبيهم سنين.
ويستطيع الوالدان أن يتعلّما من حرص يعقوب: أن ينتبها إلى الطريقة التي يرى بها كل ولد حبهما له، وأن يحذرا كل ما يغذّي التنافس بين الإخوة. وتنتهي القصة كذلك بالشفاء، إذ يُعرض العفو ويُقبل من كل الأطراف (سورة يوسف: 92، 98).
ماذا تقول المذاهب الفقهية في العطية للأولاد؟
اتفقت المذاهب على أن الوالدين ينبغي أن يسوّوا بين أولادهم في العطية. فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن التسوية مستحبة استحباباً مؤكداً وأن التفضيل مكروه. وذهب الإمام أحمد إلى وجوب التسوية، وقول النبي ﷺ: «لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» يشهد لقوله.
وفي التسوية بين البنات والبنين ذهب أبو يوسف (ت 182هـ/798م)، صاحب أبي حنيفة، إلى أن العطية في الحياة تكون بينهم سواء، وكثيراً ما أفتى متأخرو الحنفية بقوله. وأجاز الحنابلة، كما يبيّن ابن قدامة (ت 620هـ/1223م) في «المغني»، أن يخصّ الوالد أحد أولاده بزيادة لحاجة حقيقية، كالمرض أو الإعاقة أو كثرة العيال أو نفقات الدراسة. أما أنصبة الميراث فقد فرضها القرآن، ولا يجوز لوصية أن تزيد نصيب وارث على حساب غيره (سنن أبي داود 2870)، وانظر في المسألة الأوسع جواب لماذا ترث المرأة نصف الرجل في الإسلام؟
كيف يعدل الوالدان بين أولادهما؟
- اقسموا الوقت والاهتمام. خصّوا كل ولد بوقت يقضيه معكم وحده.
- أعطوا بالعدل. عطايا متساوية القيمة، أو أسباب واضحة لأي تفاوت يفهمها سائر الأولاد.
- لا تقارنوا. فعبارة «لماذا لا تكون مثل أخيك؟» تغرس البذرة التي حصد إخوة يوسف ثمرها.
- سوّوا بين البنات والبنين في التعليم والحرية والمودة والفرص.
- امدحوا كل ولد على ما هو عليه. فكل ولد يحتاج أن يسمع أنه محبوب لذاته.
- أدّبوا الجميع باللين نفسه (هل يجوز للوالدين المسلمين ضرب أولادهم؟).
- أبقوا كل ولد قريباً منكم، ومنهم من سلك طريقاً مختلفاً (هل يجوز التبرؤ من الابن أو البنت بسبب المثلية؟).
وإن كنت أنت الولد الذي قُدّم عليه غيره، فاعلم أن قدرك عند الله لم يكن يوماً رهناً بتفضيل أحد والديك. فبرّ والديك وأحسن إليهما، وكلّمهما في ذلك برفق متى استطعت (هل يجب أن أطيع والديّ في كل شيء؟)، واكسر هذه العادة في بيتك أنت.
كلمة في الختام
يضع القرآن للوالدين ميزاناً لكل اختيار يختارانه:
ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰ
اللهم املأ قلب كل أب وأم بحب يتسع لكل ولد، واجعل الإخوة والأخوات أنساً بعضهم لبعض مدى الحياة.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يأثم الوالد إذا أحب أحد أولاده أكثر من غيره؟
الشعور الذي لم يختره الوالد لا لوم فيه، فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها (سورة البقرة: 286). وإنما الواجب في الأفعال: أن تكون العطايا والوقت والكلام والرعاية بالعدل.
هل يجوز للوالدين أن يعطيا الولد المريض أو ذا الإعاقة أكثر من إخوته؟
نعم. فقد أجاز فقهاء الحنابلة أن يُخصّ الولد بزيادة لحاجة حقيقية، كالمرض أو الإعاقة أو نفقات الدراسة، إذا كان السبب واضحاً ولم يُظلم سائر الأولاد. وبيان السبب للإخوة يحفظ الوئام بينهم.
هل تجب التسوية في العطية بين البنين والبنات؟
ذهب أبو يوسف من الحنفية إلى أن البنات والبنين يُسوّى بينهم في العطية في الحياة، وهذا أعدل الأفهام لأمر النبي ﷺ بالعدل بين الأولاد.
ماذا أفعل إن كان والداي يفضّلان أخي أو أختي عليّ؟
كلّمهما برفق وأخبرهما بما تجد في نفسك، وربما استعنت بقريب يثقان به. وداوم على برّهما والإحسان إلى أخيك أو أختك، واعلم أن الله يرى ما تحمله.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 2587 (اعدلوا بين أولادكم)
- صحيح مسلم 1623 (هبة النعمان بن بشير)
- ابن قدامة، «المغني» (باب عطية الأولاد)
- سنن أبي داود 2870 (لا وصية لوارث)
الصورة: Bernard Gagnon, Interior of the Tabatabaei House, Kashan, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور