هل يجوز لغير المسلمين دخول مكة؟
سؤال رقم 1210
السؤال
هل يجوز لغير المسلمين زيارة مكة أو دخول المسجد الحرام، وما حكم ذلك في الشريعة الإسلامية؟
ملخص الجواب
لا يسمح القانون السعودي اليوم لغير المسلمين بدخول مكة، وعلى الزائرين احترامه. والحكم الشرعي أوسع من القانون. فقد منعت آية سورة التوبة (28) مشركي العرب من المسجد الحرام بعد سنة 9 للهجرة، حين طُهّر الحج من شعائر الجاهلية. وأجاز الحنفية لليهود والنصارى دخوله، واستضاف النبي ﷺ غير المسلمين في مسجده، ووصف القرآن الكعبة بأنها أول بيت وُضع للناس (سورة آل عمران: 96).
الجواب
الحمد لله

لا يستطيع غير المسلمين دخول مكة اليوم، لأن القانون السعودي لا يسمح بذلك. فنقاط التفتيش على الطرق السريعة المؤدية إلى المدينة تردّ المسافرين من غير المسلمين، ويُشترط الإسلام فيمن يطلب تأشيرة الحج أو العمرة. وعلى كل زائر أن يحترم هذا القانون. أما الحكم الشرعي الذي يقوم عليه فمسألة اختلف فيها العلماء، والتراث أوسع من القاعدة الحديثة. فالقرآن يصف الكعبة بأنها بيت وُضع للناس جميعاً:
إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ
لماذا يُمنع غير المسلمين من دخول مكة؟
يقوم المنع على آية واحدة من سورة التوبة، نزلت في السنة التاسعة للهجرة: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَا﴾ (سورة التوبة: 28). فقد دخلت مكة تحت حكم المسلمين قبل ذلك بعام، لكن حج قبائل العرب القديم كان لا يزال قائماً حول الكعبة بأصنامه وشعائره، وكان بعض الحجاج يطوفون بالبيت عراة. وفي تلك السنة أمّ أبو بكر الحج، وبعث المؤذنين ينادون بالحكم الجديد في منى، وأردفه النبي ﷺ بعلي ليؤذن معهم. وكان أبو هريرة رضي الله عنه من هؤلاء المؤذنين، ينادون:
«أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ»
فإذا قُرئت الآية مع هذه الرواية تبيّن أنها تخاطب قوماً بأعيانهم، هم مشركو العرب الذين كانوا يحاربون المسلمين، وممارسة بعينها، هي حج الجاهلية. فقد ردّت بيت إبراهيم إلى عبادة الله الواحد.
وفهم أكثر الفقهاء كلمة «نَجَس» في الآية على أنها نجاسة الاعتقاد الوثني، لا نجاسة البدن الإنساني. فالقرآن نفسه أباح للمسلمين أكل طعام أهل الكتاب والزواج منهم (سورة المائدة: 5)، ولا معنى لذلك لو كانت أبدانهم نجسة.
ماذا قالت المذاهب الفقهية؟
اختلفت المذاهب فيمن تشملهم الآية، وفي مدى المنع.
- المذهب الحنفي، تبعاً لأبي حنيفة (ت 150هـ/767م)، يرى أن الآية تتعلق بحج المشركين وسيطرتهم على الحرم. وعلى هذا القول يجوز لليهود والنصارى وسائر أهل الذمة دخول المسجد الحرام نفسه، كما يجوز لهم دخول أي مسجد. وقد بسط الفقيه الحنفي أبو بكر الجصاص (ت 370هـ/981م) هذا الفهم في كتابه «أحكام القرآن».
- المذهبان الشافعي والحنبلي يريان أنه لا يجوز لأي غير مسلم دخول حرم مكة، ويجيزان لهم دخول سائر المساجد بالإذن.
- المذهب المالكي ذهب أبعد من ذلك، فمنع غير المسلمين من كل المساجد.
والقاعدة السعودية الحديثة تأخذ بالقول الأشد، وتمدّ المنع إلى المدينة كلها.
هل أدخل النبي ﷺ غير المسلمين المساجد؟
نعم، في المدينة. فحين جيء بثمامة بن أثال، سيد بني حنيفة، أسيراً، رُبط في المسجد النبوي ثلاثة أيام. ثم أطلقه النبي ﷺ، فاغتسل ثمامة، ثم دخل المسجد وأسلم (صحيح البخاري 4372). ووفدت على النبي ﷺ في المدينة وفود من النصارى ومن قبائل العرب، فاستقبلهم بالإكرام. فقد كان مسجده مكاناً يرى فيه من لا يشاركونه دينه كيف يُعاش هذا الدين. واليوم تفتح المساجد في أنحاء العالم أبوابها للزوار للسبب نفسه، كما يبيّن جواب هل يجوز لغير المسلم دخول المسجد؟
ما القول الأرجح؟
القول الذي يوافق القرآن والسنة أكثر من غيره هو قول الحنفية. فالكعبة رفع قواعدها إبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء الذي يجلّه اليهود والنصارى والمسلمون جميعاً، والقرآن يصفها بأنها حرم للناس:
وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا
فآية التوبة (28) حمت البيت من الشعائر الوثنية لقوم محاربين. ولم تحكم بنجاسة كل من كان على دين آخر، ولا تقول شيئاً عن ضيف مؤدب يأتي ليرى المكان الذي يتوجه إليه المسلمون في صلاتهم. والقرآن يذكر أهل الكتاب باحترام، ويقول إن ما يفعله الصالحون منهم من خير لن يُكفروه (سورة آل عمران: 113-115؛ وانظر ماذا يقول القرآن عن المسيحيين واليهود؟).
ومع ذلك فقانون البلد ملزم لضيوفه. فالمسلم الذي يأخذ بقول الحنفية يحترم مع ذلك الأنظمة السعودية، ولا ينبغي لغير المسلم أبداً أن يحاول دخول مكة متنكراً. فكرامة الحرم يحفظها من يكرمون القائمين عليه.
وماذا عن المدينة المنورة؟
مدينة النبي ﷺ عوملت دائماً معاملة مختلفة. فالآية القرآنية لا تذكر إلا المسجد الحرام بمكة، وقد استقبل النبي ﷺ في المدينة زواراً من كل دين. ويجوز لغير المسلمين اليوم دخول المدينة، أما المنطقة المحيطة بالمسجد النبوي مباشرة فمخصصة للمسلمين.
كلمة في الختام
كثير من غير المسلمين الذين يسألون هذا السؤال لهم صديق أو زوج أو والد مسلم أدى فريضة الحج، وهم يريدون أن يشاركوه ما عناه له. وتلك المشاركة ممكنة بطرق أخرى: بالإصغاء، وبالنظر في صور الكعبة ومقاطعها المصورة، وبزيارة مسجد قريب، وبالصداقة العادية التي يشجّع عليها القرآن (هل يجوز للمسلم مصادقة غير المسلمين؟)، وبمشاركة الأسرة عيدها حين يعود الحجاج. فقد بُني البيت لعبادة الله الواحد، والقرآن يقول فيه سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِ﴾ (سورة البقرة: 115).
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يجوز لغير المسلمين دخول المدينة المنورة؟
لم تُعامل المدينة قط معاملة مكة. فقد استقبل النبي ﷺ الزوار والوفود من غير المسلمين في المدينة، بل في مسجده، ويجوز اليوم لغير المسلمين دخول المدينة، أما المنطقة المحيطة بالمسجد النبوي فمخصصة للمسلمين.
ماذا يحدث إذا دخل غير المسلم مكة؟
تطبّق السلطات السعودية المنع، وقد يتعرض غير المسلم الذي يوجد في المدينة للعقوبة والترحيل. ولا ينبغي لأحد أن يدخلها متنكراً أو بأوراق مزورة، فقانون البلد المضيف ملزم لضيوفه.
هل منع غير المسلمين من مكة منصوص عليه في القرآن؟
منع القرآن مشركي العرب من المسجد الحرام بعد سنة 9 للهجرة (سورة التوبة: 28). أما شمول المنع لليهود والنصارى وغيرهم، وللمدينة كلها، فمسألة اختلفت فيها المذاهب الفقهية.
هل تعني آية التوبة 28 أن غير المسلمين نجسون؟
لا. فأكثر الفقهاء فهموا النجس في الآية على أنه نجاسة الاعتقاد والممارسة الوثنية، لأن القرآن أباح للمسلمين أكل طعام أهل الكتاب والزواج منهم (سورة المائدة: 5).
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 369 (لا يحج بعد العام مشرك)
- صحيح البخاري 462، 4372 (ثمامة في المسجد النبوي)
- أبو بكر الجصاص، «أحكام القرآن»، تفسير سورة التوبة: 28
- الكاساني، «بدائع الصنائع» (أحكام الحنفية في دخول غير المسلمين المساجد)
الصورة: Unknown painter, The Great Mosque of Mecca, from the Futuh al-Haramayn of Muhyi al-Din Lari, 16th century. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور