ماذا يقول الإسلام عن الخنثى وثنائيي الجنس؟
سؤال رقم 1128
السؤال
كيف ينظر الإسلام إلى من يولدون بصفات جنسية ملتبسة، وماذا قال الفقه الإسلامي القديم في أحكامهم؟
ملخص الجواب
ثنائيو الجنس يصوّرهم الله في الأرحام كيف يشاء (سورة آل عمران: 6)، ولهم كرامة بني آدم كاملة (سورة الإسراء: 70). وقد كتب الفقهاء أبواباً كاملة في الخنثى، فجعلوا له مكاناً في صفوف الصلاة، ونصيباً من الميراث، وطريقاً إلى الزواج، وقبل ابن قدامة قول الشخص نفسه في ميله الباطن. والرعاية الطبية اليوم ينبغي أن تخدم صحة الإنسان ورضاه وستره.
الجواب
الحمد لله

يولد بعض الأطفال بأجساد لا توافق النمط المعهود للذكر أو الأنثى: اختلافات في الصبغيات أو الهرمونات أو الأعضاء يسميها الأطباء اليوم صفات ثنائية الجنس. ويسأل آباؤهم، والمسلمون ثنائيو الجنس أنفسهم، كثيراً عما يقوله الإسلام. والجواب دافئ واضح: فثنائيو الجنس خلقهم الله بكرامة تامة، وقد عرفهم الفقه الإسلامي باسمهم، الخنثى، ووضع لهم أحكاماً تجعل لهم مكاناً في كل باب من أبواب حياة المسلم.
هل يذكر القرآن ثنائيي الجنس؟
يصف القرآن الله بأنه الذي يصوّر كل إنسان قبل ولادته، كلاً على الصورة التي يختارها:
هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ
وتضيف سورة الشورى أن الله ﴿يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ (سورة الشورى: 49-50)، فيهب الإناث والذكور، أو يجمع بينهما، أو يجعل من يشاء عقيماً. والجسد ثنائي الجنس من هذه المشيئة الخالقة نفسها. وكل بني آدم مكرّمون (سورة الإسراء: 70)، وقد علّم النبي ﷺ أين يقع نظر الله:
«إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»
ماذا قال الفقه الإسلامي في الخنثى؟
كتب فقهاء المذاهب السنية الأربعة كلها أبواباً في الخنثى، بل أفرد له الفقيه الشافعي عبد الرحيم الإسنوي (ت 772هـ/1370م)، من علماء العصر المملوكي، رسالة كاملة سمّاها «إيضاح المشكل من أحكام الخنثى المشكل». وقد فرّقوا بين حالين. فمن دلّت علاماته الجسدية بوضوح على أحد الجنسين فهو الخنثى غير المشكل، وتجري عليه أحكام ذلك الجنس. ومن بقيت علاماته ملتبسة فهو الخنثى المشكل، وهو المقصود بالأحكام الآتية.
وكان الفقهاء ينظرون في الصغر إلى مَبال الطفل، وعند البلوغ إلى علامات كالحيض والثدي واللحية. وقد ذهب أطباء مسلمون معاصرون، كمحمد علي البار، إلى أن هذه الأحكام بُنيت على طب زمانها الذي لم يكن يستطيع فحص الغدد التناسلية، وأنها ينبغي أن يُعاد النظر فيها في ضوء الطب الحديث. والأصل ثابت: الحكم يتبع حقيقة الإنسان.
الصلاة
ذكر الفقيه الحنفي الكاساني (ت 587هـ/1191م) في «بدائع الصنائع» ترتيب الصفوف في الجماعة المختلطة: الرجال، ثم الصبيان، ثم الخناثى، ثم النساء. فقد كان للخنثى مكان معروف في المسجد. ولما كان الصف المنفرد قد يعرّض صاحبه لنظرات الناس، فالأرفق اليوم هو الستر: فيصلي المسلم ثنائي الجنس في الصف الذي يوافق الحياة التي يعيشها.
الميراث
اختلفت المذاهب في نصيب الخنثى المشكل. فأعطاه الحنفية أقل النصيبين. وأعطاه المالكية، والحنابلة في أكثر الصور، نصف نصيب الذكر ونصف نصيب الأنثى. وأعطاه الشافعية الأقل، ووقفوا الباقي حتى يتضح أمره أو يصطلح الورثة فيما بينهم.
الزواج
ذهب أكثر الفقهاء إلى أن زواج الخنثى المشكل يُنتظر به حتى يتضح جنسه. وفتح إمام الحنابلة ابن قدامة (ت 620هـ/1223م)، في شرحه لمختصر الخرقي «المغني»، باباً آخر. فإن قال إنه رجل وكان طبعه يميل إلى النساء فله أن يتزوج امرأة، وكذلك الأمر في الاتجاه الآخر. وبيّن ابن قدامة لماذا يُقبل قوله: فهذا الميل أمر في النفس والشهوة لا يطّلع عليه غيره، وقاسه على قبول قول المرأة في حيضها. فقبل ثمانية قرون جعل فقيه كبير القول الفصل في الحياة الباطنة للخنثى إلى الخنثى نفسه.
ماذا يقول الإسلام في جراحة الأطفال ثنائيي الجنس؟
قرر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة (1409هـ) أن من اجتمعت فيه علامات الذكورة والأنوثة يجوز علاجه طبياً، بالجراحة أو بالهرمونات، بما يزيل الاشتباه، «لأن هذا مرض، والعلاج يقصد به الشفاء منه، وليس تغييراً لخلق الله عز وجل». وقد قال النبي ﷺ لأصحابه: «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً» (سنن أبي داود 3855).
والعلاج يجب أن يخدم المريض. فقد قال النبي ﷺ أيضاً: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» (سنن ابن ماجه 2341، وصححه الألباني). وكثير من الأطباء وعلماء الأخلاق اليوم يوصون بتأخير الجراحة التي لا تستدعيها ضرورة طبية عاجلة، حيث يكون التأخير آمناً، حتى يستطيع الشخص أن يشارك في القرار. وهذا موافق لمقاصد الشريعة، ولأصل ابن قدامة في أن الإنسان أعلم بباطن نفسه. والقول الصحيح أن الرعاية التي تحفظ الصحة واجبة، وأن الاختيارات المتعلقة بالهوية والمظهر هي، ما أمكن، لصاحبها الذي سيعيش بها.
كيف تعامل الأسر والجماعات المسلمين ثنائيي الجنس؟
- تلقّوا الطفل هبةً. فالله يهب كما يشاء (سورة الشورى: 49)، والطفل ثنائي الجنس ليس عقوبة ولا عاراً على أسرته.
- احفظوا سترهم. فستر عورات الناس وأسرارهم سنة محبوبة، وجسد الإنسان ليس شأناً لغيره. وقد نهى القرآن عن الألقاب المهينة: ﴿وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِ﴾ (سورة الحجرات: 11).
- أبقوا المسجد مفتوحاً. فالمسلمون ثنائيو الجنس جزء من الجماعة، ومن صلاة العيد، ومن حلقة العلم. وفي جواب هل توجد مساجد منفتحة ترحّب بالمثليين؟ وصف للجماعات التي ترحّب بكل مؤمن.
- ساندوا إحساسهم بأنفسهم. فبعض ثنائيي الجنس يعيشون رجالاً، وبعضهم نساءً، وبعضهم خارج هاتين الفئتين (هل اللاثنائية الجندرية حرام؟). وانظر كذلك هل العبور الجنسي حرام في الإسلام؟ وهل عملية تغيير الجنس حرام في الإسلام؟
- ابقوا قريبين. فصلة الوالد بولده رحم أمر الله بوصلها (هل يجوز التبرؤ من الابن أو البنت؟).
كلمة في الختام
يقول القرآن عن كل إنسان:
لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ
والفقهاء الذين كتبوا في الخنثى كانوا يفسحون في الشريعة مكاناً لأناس خلقهم الله. اللهم ارزق كل مسلم ثنائي الجنس أسرة تعتزّ به، وجماعة تكرمه، وقلباً مطمئناً بالذي صوّره.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يجوز للخنثى أن يتزوج؟
نعم. فقد أجاز الفقهاء لمن اتضح جنسه من الخناثى أن يتزوج بحسبه، وقبل الفقيه الحنبلي ابن قدامة قول الشخص نفسه فيمن يميل إليه. والزواج يقوم على الرضا والمهر وحسن العشرة، وهي متاحة لثنائيي الجنس من المسلمين كغيرهم.
أين يصلي الخنثى في المسجد؟
جعلت كتب الحنفية للخنثى صفاً خاصاً بين صفوف الرجال وصفوف النساء. والأرفق اليوم هو الستر: فيصلي المسلم ثنائي الجنس في الصف الذي يوافق الحياة التي يعيشها، ولا يحق لأحد أن يسأله عن جسده.
هل تجوز الجراحة للأطفال ثنائيي الجنس في الإسلام؟
العلاج الذي يحفظ صحة الطفل جائز ومطلوب. وأما الجراحة التي لا تستدعيها ضرورة طبية عاجلة فالأولى تأخيرها، حيث يرى الأطباء ذلك آمناً، إلى أن يستطيع الشخص المشاركة في القرار، لأن الشريعة تحرّم الإضرار وتثق بمعرفة الإنسان بنفسه.
هل الخنثى هو العابر جنسياً؟
لا. فثنائية الجنس تصف خصائص جسدية جنسية موجودة منذ الولادة، والعبور الجنسي يصف من تختلف هويته الجنسية عن الجنس المسجّل عند ولادته. والإسلام يكرّم الفريقين، ولكل منهما جواب مستقل في هذا الموقع.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- ابن قدامة، «المغني» (كتاب النكاح، في الخنثى المشكل)
- الكاساني، «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع»
- عبد الرحيم الإسنوي، «إيضاح المشكل من أحكام الخنثى المشكل»
- المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، الدورة الحادية عشرة (1409هـ)، قرار في تحويل الجنس والخنثى
- باولا ساندرز، "Gendering the Ungendered Body: Hermaphrodites in Medieval Islamic Law"، في Women in Middle Eastern History، تحرير نيكي كيدي وبيث بارون (مطبعة جامعة ييل، 1991)
- صحيح مسلم 2564
الصورة: Phillip Maiwald (Nikopol), The inner dome of the Sheikh Lotfollah Mosque, Isfahan, 2008. CC BY-SA 3.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور