هل يغفر الله ذنب الزنا؟
سؤال رقم 1132
السؤال
إذا وقع المسلم في الزنا (العلاقة الجنسية خارج الزواج)، فهل يغفر الله له، وكيف يتوب؟
ملخص الجواب
الزنا يُغفر، ومغفرته تامة. فالقرآن يعدّه من كبائر الذنوب، ثم يعد في الموضع نفسه أن يبدّل الله سيئات التائبين حسنات (سورة الفرقان: 68-70)، وينهى عن القنوط لأن الله يغفر الذنوب جميعاً (سورة الزمر: 53). وكان النبي ﷺ يردّ من جاءه معترفاً ليتوب إلى الله سراً، وعلّم أن من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة.
الجواب
الحمد لله

كثير من المسلمين الذين وقعوا في علاقة خارج الزواج يحملون ثقلاً لا يستطيعون أن يضعوه. يخافون ألا يغفر الله لهم أبداً، وأن صلاتهم صارت بلا قيمة، وأن أهلهم سيدفعون ثمن ما فعلوا. والقرآن يجيب هذا الخوف مباشرة: الزنا يُغفر، ومغفرته تامة. بل يعد الله من يرجع إليه بأكثر من المغفرة: يعده بأن يبدّل سيئاته حسنات.
ماذا يقول القرآن في مغفرة الزنا؟
تصف سورة الفرقان عباد الرحمن بأنهم لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون، ولا يزنون (سورة الفرقان: 68). ثم تتوعد على هذه الذنوب، ثم تفتح الباب على مصراعيه:
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا
فالموضع الذي يذكر الزنا بين أعظم الذنوب هو نفسه الذي يحمل الوعد بأن التوبة تقلبه حسنة. وفي موضع آخر يخاطب الله كل من ظلم نفسه:
۞قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
كيف عامل النبي ﷺ من اعترف بالزنا؟
حين جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ يطلب أن يطهّره، ردّه النبي ﷺ وقال:
«وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»
وكرر ذلك مرة بعد مرة. وسأل هل بالرجل جنون، وفتح له باب المخرج فقال: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ» (صحيح البخاري 6824). فكان أول ما وجّه إليه النبي ﷺ من وقع في الزنا التوبةَ إلى الله في السرّ.
وبنى الفقهاء على هذا الهدي، فوضعوا شروطاً بلغت من الشدة أن العقوبة الدنيوية لم تكد تُطبّق قط. والقول الصحيح اليوم أن الحدود ليست مما يُطبّق أصلاً (ما هي الحدود في الإسلام؟ وهل يقطع الإسلام الأيدي حقاً؟). ويبقى الطريق الذي أرشد إليه النبي ﷺ أولاً: الرجوع إلى الله.
هل يجب أن أعترف بالزنا لأحد؟
لا. فالتوبة بينك وبين الله. وقد أثنى النبي ﷺ على ستر العيوب فقال:
«وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»
وهذا الستر يشمل عيبك أنت. فقد حذّر النبي ﷺ ممن يعمل العمل بالليل ثم يصبح فيحدّث به الناس، «وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» (صحيح البخاري 6069). فلستَ مديناً لأحد باعتراف: لا لإمام، ولا لوالد، ولا لزوج في المستقبل. وليس لأحد أن يفضحك.
كيف أتوب من الزنا؟
لخّص الإمام النووي رحمه الله في «رياض الصالحين» شروط التوبة التي اتفق عليها العلماء:
- الإقلاع. اترك الذنب، واترك المواقف التي تقود إليه.
- الندم. احزن عليه بين يدي الله، فقد قال النبي ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» (سنن ابن ماجه 4252، وصححه الألباني).
- العزم. انوِ صادقاً ألا تعود إليه أبداً.
- ردّ المظالم. إن كان أحد قد ظُلم، كزوج خُدع، فأصلح ما تستطيع، واطلب عفوه إن لم يؤدّ ذلك إلى ضرر أكبر.
ثم املأ المكان بالخير: بالصلاة والصدقة والإحسان وذكر الله، فـ﴿إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ (سورة هود: 114). وإن كنت أنت وشريكك تتحابّان وتريدان البقاء معاً فتزوّجا (ماذا يجري في عقد الزواج الإسلامي؟بالإنجليزية). وإن عدت إلى الذنب فعد إلى التوبة، فالله لا يملّ من المغفرة (هل يغفر الله جميع الذنوب؟).
وتذكّر المرأة البغيّ من بني إسرائيل، التي رأت كلباً يطوف ببئر يكاد العطش يقتله، «فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ» (صحيح البخاري 3467). فرحمة الله أوسع مما نخاف.
هل الزنا دَين يسدّده أهلي؟
سمع كثير من الناس أن الزنا «دَين» يُقضى من عرض الأخت أو البنت أو الزوجة. وهذا الكلام من شعر يُنسب إلى الإمام الشافعي، وليس آية من القرآن ولا حديثاً صحيحاً، وهو يخالف أصلاً يكرره القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ﴾ (سورة الأنعام: 164). فعرض أهلك وسلامتهم بيد الله، وليسوا ثمناً لماضيك.
وللرجاء في أمر الآخرة انظر جواب هل يدخل المسلم العاصي النار؟، ولحكم القبلة واللمس جواب هل التقبيل قبل الزواج حرام؟
كلمة في الختام
من يبكي على ذنبه فهو قريب من الله. وقد كتب ابن عطاء الله السكندري (ت 1309م) في «الحكم»: «معصية أورثت ذلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً». فاحمل حزنك إلى الله، ودعه يحمله عنك. نسأل الله أن يبدّل كل سيئة من سيئاتك حسنة، وأن يسترك في الدنيا والآخرة، وأن يرزقك قلباً مطمئناً.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل أخبر زوجي المستقبلي بزنا وقع في الماضي؟
لا يلزمك أن تكشف ذنباً تبت منه، والعلماء ينصحون بستره كما ستره الله. غير أن للزوج حقاً في معرفة ما يمسّه الآن، كالصحة، فأجرِ الفحوص اللازمة وأخبره بما يهمّه.
هل يجوز أن أتزوج من زنيت بها أو به؟
نعم. فأكثر الفقهاء يجيزونه، ويشترط الحنابلة أن يتوب الطرفان أولاً. ويُروى عن ابن عباس أنه قال في مثل هذا الزواج: «أوله سفاح وآخره نكاح».
هل يُستجاب دعائي بعد الزنا؟
نعم. فالله يجيب دعوة الداعي إذا دعاه (سورة البقرة: 186)، والتوبة نفسها دعاء يحب الله أن يجيبه.
هل يُعدّ زنا إذا أُكرهت عليه؟
لا. فمن اعتُدي عليه لا إثم عليه أصلاً، والذنب كله على من أكرهه. وإن كان هذا قد حدث لك فاتصل برقم الطوارئ المحلي أو بجهة تُعنى بضحايا الاعتداء الجنسي، مثل RAINN على الرقم 1-800-656-4673 في الولايات المتحدة.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح مسلم 1695، 2699
- صحيح البخاري 6824، 6069، 3467
- النووي، «رياض الصالحين»، باب التوبة
- ابن عطاء الله السكندري، «الحكم العطائية»
الصورة: Diego Delso, The entrance iwan of the Shah Mosque, Isfahan, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور