هل يدخل المسلم العاصي النار؟

سؤال رقم 1119

السؤال

هل يدخل المسلم الذي يرتكب الذنوب، ولو كانت كبائر، النار، وهل يمكن أن يخلد فيها؟

ملخص الجواب

ذنوب المسلم في رحمة الله. فالله يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب إليه (سورة الزمر: 53)، وكل ما دون الشرك داخل في مغفرته ولو قبل التوبة (سورة النساء: 48). وأخبر النبي ﷺ أن من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق (صحيح البخاري 5827)، وأن شفاعته لأهل الكبائر. وتتفق عقائد أهل السنة والشيعة على أن المؤمن لا يخلد في النار.

الجواب

الحمد لله

A tall enameled glass lamp with a flared neck, its body ringed with large blue Arabic letters and a red and gold emblem.

كل مسلم يأخذ دينه بجدّ قد سهر ليلة على هذا السؤال: هل تُدخلني ذنوبي النار؟ وجواب القرآن والسنة جواب رجاء. فذنوب المسلم في رحمة الله. فهو يغفر الذنوب جميعاً لمن رجع إليه، وكل ما دون الشرك يبقى في مشيئة مغفرته حتى للعبد الذي يموت قبل أن يتوب. وقد وعد النبي ﷺ بالجنة من مات يشهد أن لا إله إلا الله، واتفق علماء أهل السنة والشيعة على أن المؤمن لا يخلد في النار.

هل يدخل المسلم العاصي النار؟

سمع الصحابي أبو ذر رضي الله عنه النبيَّ ﷺ يعد بالجنة كل من مات يشهد أن لا إله إلا الله. فكاد لا يصدّق، وسأل ثلاث مرات: وإن زنى وإن سرق؟ وفي كل مرة كان الجواب واحداً:

«وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ»

صحيح البخاري 5827

وكان أبو ذر إذا حدّث بهذا الحديث بعد ذلك قال: «وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ» (صحيح البخاري 5827). والقرآن يرسم الحدّ نفسه:

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ

سورة النساء: 48

فكل ذنب يقع فيه المؤمن داخل تحت الشطر الثاني من الآية. ومن رجع إلى الله فالباب أوسع من ذلك: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (سورة الزمر: 53)، كما هو مبيّن في جواب هل يغفر الله جميع الذنوب؟

ماذا قال العلماء المتقدمون في أصحاب الكبائر؟

فرّقت هذه المسألة الأمة في صدرها الأول. فقالت الخوارج إن المسلم إذا ارتكب كبيرة صار كافراً مخلداً في النار. وجعلت المعتزلة مرتكب الكبيرة في «المنزلة بين المنزلتين»، لا مؤمناً ولا كافراً، وقالت كذلك إن من مات غير تائب خلد في النار.

وردّ جمهور العلماء القولين كليهما. فالعقيدة المبكرة المعروفة بـ«الفقه الأكبر»، المنسوبة إلى أبي حنيفة (ت 150هـ/767م)، تقرر ألّا يُكفَّر أحد بذنب، ولا يُنفى عنه اسم الإيمان بسببه. وكتب الإمام الطحاوي (ت 321هـ/933م)، الذي ما زالت عقيدته تُدرَّس في المعاهد السنية، أن أهل الكبائر من أمة محمد ﷺ لا يخلدون في النار إذا ماتوا وهم موحدون، وأنهم في مشيئة الله وحكمه: إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، وإن شاء عذبهم بعدله ثم أخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين. وإلى هذه النتيجة نفسها ينتهي علم الكلام الشيعي.

هل تمحو الحسنات السيئات؟

يجيب القرآن في جملة واحدة: ﴿إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ (سورة هود: 114). وقد صوّر النبي ﷺ هذه الجملة تصويراً. فأخبر أن الله يوم القيامة يدعو رجلاً من أمته على رؤوس الخلائق، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً من ذنوبه، كل سجل منها مدّ البصر. ثم تُخرج له بطاقة واحدة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فيقول الرجل: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال له: «إِنَّكَ لاَ تُظْلَمُ» (جامع الترمذي 2639). ثم قال ﷺ:

«فَطَاشَتِ السِّجِلاَّتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ فَلاَ يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ»

جامع الترمذي 2639، وصححه الألباني

والرحمات الصغيرة لها في ذلك الميزان وزن عظيم. فقد أخبر النبي ﷺ عن بغيّ من بغايا بني إسرائيل رأت كلباً عند بئر كاد يقتله العطش، فنزعت خفّها فسقته به، فغُفر لها (صحيح البخاري 3467).

ما هي شفاعة النبي ﷺ؟

قال النبي ﷺ: «شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (سنن أبي داود 4739، وصححه الألباني). وفي حديث الشفاعة الطويل يصف ﷺ أنه يخرّ ساجداً لربه يوم القيامة ويقول: «يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي». فيُبعث مرة بعد مرة ليُخرج الناس من النار، أولاً من في قلبه حبة من إيمان، ثم من دونه، حتى يقول الله في آخر الأمر: «وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» (صحيح البخاري 7510).

ومن مرّ من المؤمنين بالنار فالأحاديث تصفها في حقه تطهيراً ينتهي عند باب الجنة. والرحمة نفسها تبلغ أبعد من أمة محمد ﷺ، كما هو مفصّل في جوابَي هل النار أبدية في الإسلام؟ وهل يدخل غير المسلمين النار؟

هل يعيش المسلم في خوف من النار؟

علّم العلماء أن المؤمن يطير إلى الله بجناحين: الخوف والرجاء. فالخوف يُبقي الضمير يقظاً لما نُلحقه بغيرنا من أذى، والرجاء يُبقينا راجعين إلى من ينتظرنا. فإذا مال الميزان إلى اليأس، فقد قدّم النبي ﷺ ما يقيمه. رأى في السبي امرأة وجدت صبياً لها فألصقته ببطنها وأرضعته، فسأل أصحابه: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا. فقال: «اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (صحيح البخاري 5999).

وعلّم كذلك أن أحداً لا ينجو بعمله وحده، فلما قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلاَ أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ» (صحيح البخاري 6463)، وأمرهم في الحديث نفسه بالسداد والمقاربة ولزوم القصد. فالله يطلب النموّ خطوة بعد خطوة. صلِّ ما تستطيع وابنِ عليه (ماذا أفعل إذا فاتتني الصلوات أو شقّت عليّ الصلاة؟)، وتب مما يثقل عليك (هل يغفر الله الزنا؟)، وأدِّ ما عليك من حقوق الناس قبل يوم تُقضى فيه كل الحقوق (ماذا يحدث يوم القيامة؟).

دعاء في الختام

يقول الله في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» (صحيح البخاري 7405). فأحسن ظنك به، وادعُ مع أولي الألباب في سورة آل عمران:

رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ

سورة آل عمران: 193

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يدخل كل المسلمين الجنة في النهاية؟

نعم. فقد أخبر النبي ﷺ أنه يخرج من النار كل من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير (صحيح البخاري 44)، وتتفق عقائد أهل السنة والشيعة على أن المؤمن لا يخلد فيها.

هل يدخل النار المسلم الذي لا يصلي؟

التهاون في الصلاة أمر عظيم، وقد ذهب الحنابلة، أخذاً بالرواية المشهورة عن الإمام أحمد، إلى أن تركها بالكلية يُخرج صاحبه من الإسلام. وذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن المسلم الذي يترك الصلاة كسلاً يبقى مسلماً، وباب الرجوع إلى الصلاة مفتوح دائماً.

هل يخرج المسلم من الإيمان بارتكاب الذنوب؟

لا. فالعقيدة المبكرة المعروفة بـ«الفقه الأكبر»، المنسوبة إلى أبي حنيفة، تقرر أن أحداً لا يُكفَّر بذنب، وهذا قول أهل السنة في العقيدة جملةً.

ما رأي الشيعة في المسلم العاصي؟

يقرر علم الكلام الإمامي الاثنا عشري كذلك أن المؤمن الذي يموت على الإيمان لا يخلد في النار، ويجعل لشفاعة النبي ﷺ وأهل بيته مكاناً كبيراً.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 5827 (وإن زنى وإن سرق)
  2. جامع الترمذي 2639 (حديث البطاقة)
  3. سنن أبي داود 4739 (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)
  4. «الفقه الأكبر»، العقيدة المبكرة المنسوبة إلى أبي حنيفة
  5. أبو جعفر الطحاوي، «العقيدة الطحاوية»

الصورة: ʿAli ibn Muhammad al-Barmaki, Mosque lamp of Amir Qawsun, Cairo, c. 1329–1335. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور