هل يحب الله جميع الناس؟
سؤال رقم 1034
السؤال
هل يحب الله كل إنسان، بمن فيهم العصاة وغير المسلمين ومن يشعرون أنهم بعيدون عنه؟
ملخص الجواب
محبة الله ورحمته تبلغان كل مخلوق خلقه. فقد سمّى نفسه الودود (سورة البروج: 14)، ورحمته وسعت كل شيء (سورة الأعراف: 156)، وأقسم النبي ﷺ أن الله أرحم بعباده من الأم بولدها. والآيات التي تذكر من «لا يحبهم» الله إنما تذكر أعمالاً كالظلم والكبر، وكل عبد يستطيع أن يرجع ويقترب من محبته.
الجواب
الحمد لله

يسأل الناس هل يحب الله جميع الناس حين يخافون ألّا يحبهم هم. والقرآن والسنة يجيبان عن ذلك بحنان عظيم: فالله يحب الخلق الذي خلقه، وقد سمّى نفسه الودود، ورحمته وسعت كل شيء، وعلّم النبي ﷺ أن الله أرحم بعباده من الأم بولدها.
ماذا يقول القرآن عن محبة الله؟
من الأسماء التي سمّى الله بها نفسه في القرآن «الودود»، من مادة (و د د) الدالة على المودة الدافئة الثابتة:
وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ
وقال شعيب عليه السلام لقومه: ﴿وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ﴾ (سورة هود: 90). فالاسمان متجاوران: الذي يغفر هو الذي يحب.
ويصف القرآن كذلك محبة متبادلة بين الله وعباده:
يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ
ويعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنه ﴿سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا﴾ (سورة مريم: 96).
ما معنى اسم الله الودود؟
ألّف الإمام الغزالي (ت 505هـ/1111م) كتاباً كاملاً في الأسماء الحسنى هو «المقصد الأسنى»، وفيه يشرح الودود بأنه الذي يريد الخير لجميع الخلائق، فيُحسن إليهم ويُثني عليهم. ويضيف رحمه الله أن محبته خالصة لخير من يحبهم: فالله لا يكسب منها شيئاً، ولا يحتاج منا إلى شيء. ثم يستخلص الدرس للمؤمن: فحظّ العبد من هذا الاسم أن يريد الخير لكل مخلوق كما يريده لنفسه.
وخصّص الغزالي أيضاً كتاباً من «إحياء علوم الدين» لمحبة الله والشوق إليه (كتاب المحبة والشوق)، وقرر فيه أن محبة الله أعلى مقامات القلب كلها.
كم يحب الله عباده؟
رسم النبي ﷺ لأصحابه صورة لم ينسوها قط. فقد قدم على المدينة سبيٌ فيه امرأة فقدت رضيعها، فجعلت تبحث عنه في كل مكان، فلما وجدته ضمّته إليها وأرضعته. فسألهم النبي ﷺ: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ»؟ فقالوا: لا أبداً، ما دامت تقدر على ألّا تطرحه. فقال:
«اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا»
وفي حديث قدسي يصف الله كيف يُقبل على من يُقبل عليه:
«وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»
هل يحب الله العصاة؟
يذكر القرآن حقاً أن الله لا يحب الظالمين (سورة آل عمران: 57)، ولا المستكبرين (سورة النحل: 23)، ولا المفسدين (سورة المائدة: 64). وإذا تأملت هذه الآيات وجدتها تذكر أعمالاً وأخلاقاً: الظلم والكبر والإفساد. فهي تصف ما يرفضه الله، وتدعو كل إنسان إلى تركه.
ويقول القرآن أيضاً: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّـٰبِينَ﴾ (سورة البقرة: 222). و«التوابين» صيغة مبالغة: قوم يرجعون مرة بعد مرة، أي قوم لا يزالون يقعون. فمحبة الله موعودة لمن يتعثر ثم يرجع، ولا تقتصر على من لا يتعثر أبداً. وانظر هل يغفر الله جميع الذنوب؟
ويفرّق بعض المتكلمين بين رحمة الله العامة التي تبلغ كل مخلوق، ومحبة خاصة يختص بها الصالحين. وهذا اصطلاح معروف، وحتى على هذا القول تشمل رحمة الله كل إنسان، وتبقى محبته مفتوحة لكل من يتوجه إليه.
هل يحب الله غير المسلمين؟
يقول القرآن: ﴿۞وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ﴾ (سورة الإسراء: 70)، ولم يستثن أحداً. فكل إنسان يحمل من النفخة التي نفخها الله في آدم عليه السلام، ورحمته ﴿وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ﴾ (سورة الأعراف: 156). وشرح الغزالي للودود بأنه الذي يريد الخير لجميع الخلائق يشمل جيرانك وزملاءك من كل دين. أما مصيرهم في الآخرة فانظر فيه هل يدخل غير المسلمين النار؟.
هل يحبني الله؟
إن كنت تسأل هذا السؤال لأنك تشعر أنك لا تستحق، بسبب ذنب، أو بسبب حقيقتك، أو لأن جماعة ما أشعرتك أنك غير مرغوب فيك، فاعلم أن الذي خلقك يعرفك تمام المعرفة، ومع ذلك يناديك «عبدي». والمسلمون المثليون والعابرون جنسياً الذين قيل لهم غير ذلك يجدون الجواب الأوسع في هل المثلية حرام؟. وإن ثقل عليك الشعور بأنك غير محبوب ولم ينجلِ، فتحدث إلى أحد: ففي جواب هل الاكتئاب ضعف في الإيمان؟ بيان أن طلب العون من الإيمان.
وأخبر النبي ﷺ أن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل أن يحبه، فيحبه جبريل وينادي في أهل السماء، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض (صحيح البخاري 3209). ولمزيد من المعرفة بالذي يحبك انظر من هو الله؟.
دعاء في الختام
من الأدعية التي علّمها النبي ﷺ أصحابه دعاء يُسأل فيه الحب نفسه:
«أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ»
جامع الترمذي 3235، وصححه الألباني
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يحب الله العصاة؟
الله يحب الذين يكثرون الرجوع إليه (سورة البقرة: 222)، والكلمة التي يستعملها القرآن، «التوابين»، تصف قوماً يتعثرون ثم يرجعون مرة بعد مرة. فهو يكره المعصية، ويبقي الباب مفتوحاً للعاصي.
هل يحب الله غير المسلمين؟
كرّم الله بني آدم جميعاً (سورة الإسراء: 70)، ورحمته وسعت كل شيء (سورة الأعراف: 156). وقد شرح الغزالي اسم الودود بأنه الذي يريد الخير لجميع الخلائق.
هل صحيح أن الله يحبنا أكثر من الأم سبعين مرة؟
عدد السبعين قول شائع ليس له مصدر صحيح. والحديث الصحيح أبلغ منه: فقد قال النبي ﷺ إن الله أرحم بعباده من الأم بولدها (صحيح البخاري 5999).
ما علامات حب الله للعبد؟
أخبر النبي ﷺ أن الله إذا أحب عبداً أعلم بذلك الملائكة، ثم وُضع له القبول في الأرض. والقلب الذي لا يزال يتوجه إلى الله، ولو بعد تقصير، هو نفسه علامة على محبته.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- أبو حامد الغزالي، «المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى» (ترجمه David Burrell وNazih Daher بعنوان The Ninety-Nine Beautiful Names of God، Islamic Texts Society)
- أبو حامد الغزالي، «إحياء علوم الدين»، كتاب المحبة والشوق
- صحيح البخاري 5999، 7405
- جامع الترمذي 3235
الصورة: Ayyoubsabawiki, Morning light in the Nasir al-Mulk Mosque, Shiraz, 2015. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور