هل يجوز للمسلم قراءة الكتاب المقدس؟
سؤال رقم 1231
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يقرأ الكتاب المقدس أو التوراة أو الأناجيل، للدراسة أو حب الاطلاع أو للتقرب من أصدقائه المسيحيين واليهود؟
ملخص الجواب
قراءة الكتاب المقدس حلال. فالقرآن يصف التوراة والإنجيل بأن فيهما هدى ونوراً (سورة المائدة: 44، 46)، ويأمر النبي ﷺ أن يسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبله (سورة يونس: 94). وقال النبي ﷺ: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، ودرس الصحابة والعلماء من بعدهم الكتب السابقة ونقلوا عنها. والمسلم يقرأ الكتاب المقدس باحترام وتمييز، والقرآن دليله.
الجواب
الحمد لله

هل يجوز للمسلم قراءة الكتاب المقدس؟ نعم. فقراءة التوراة والزبور والأناجيل حلال، والقرآن نفسه يتحدث عن هذه الكتب بإجلال. ويؤمن المسلمون بأن الله أوحى إلى موسى وداود وعيسى عليهم السلام، والكتاب المقدس يحفظ كثيراً مما علّمه هؤلاء الأنبياء. والمسلم الذي يقرؤه للدراسة، أو لإيمانه، أو ليفهم أصدقاءه من المسيحيين واليهود، يسلك سبيلاً فتحه النبي ﷺ وأصحابه.
هل يحرم على المسلم قراءة الكتاب المقدس؟
ذلك جائز، والقرآن يذكر علّته. فهو يصف الكتاب الذي أُوتيه عيسى بكلمات الإكرام:
وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ
ويقول في التوراة كذلك: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞ﴾ (سورة المائدة: 44). ويأمر أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه (سورة المائدة: 47). ويأمر المسلمين أن يؤمنوا بما أُنزل على الأنبياء جميعاً: ﴿وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ﴾، لا يفرّقون بين أحد منهم (سورة البقرة: 136).
ماذا يقول القرآن عن التوراة والإنجيل؟
يقدّم القرآن نفسه آخرَ حلقة في أسرة من الكتب. فقد نزل ﴿مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ﴾ (سورة آل عمران: 3)، وهو مهيمن على الكتب السابقة، أي رقيب عليها وميزان لها (سورة المائدة: 48). ولما جادل بعض أهل الكتاب في مسألة من مسائل الشريعة، أمر القرآنُ النبيَّ ﷺ أن يجيبهم: ﴿قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ (سورة آل عمران: 93). وفي آية أخرى يقول الله له: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَ﴾ (سورة يونس: 94).
ويتحدث القرآن كذلك عن التحريف عند بعض من ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾ (سورة النساء: 46). وقد اختلف العلماء القدامى: أكان المقصود تغيير النص نفسه أم ليّ معناه؟ وفسّر الإمام البخاري الكلمة في كتاب التوحيد من صحيحه بالتأويل على غير وجهه، وذكر أنه لا أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله. وعلى كل قول، يطلب القرآن من المسلمين أن يلقوا الكتب السابقة باحترام وتمييز:
۞وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ
وفي جواب ماذا يقول القرآن عن المسيحيين واليهود؟ مزيد بيان لحديث القرآن عنهم.
ماذا قال النبي ﷺ عن الكتب السابقة؟
أذن النبي ﷺ لأصحابه أن يتعلموا من تراث بني إسرائيل:
«بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ»
وفي المدينة كان جيران من اليهود يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية للمسلمين. فلم يمنع النبي ﷺ هذه المجالس، ووضع لها قاعدة متوازنة، فقال: «لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ» (صحيح البخاري 4485). فما وافق القرآن قُبل، وما خالفه تُرك، وما سوى ذلك يوكَل علمه إلى الله.
وكان بعض المتقدمين أشد حذراً. فقد سأل ابن عباس رضي الله عنهما: كيف يسأل المسلمون أهل الكتاب وكتابهم جديد بين أيديهم، يقرؤونه خالصاً لم يُخلط بشيء؟ (صحيح البخاري 7363). وفي مسند الإمام أحمد رواية اختلف المحدّثون في إسنادها، تذكر أن النبي ﷺ غضب حين جاءه عمر بصحيفة من التوراة. وقد حمل العلماء مثل هذه الروايات على أنها توجيه للسنوات الأولى، حين كان القرآن لا يزال ينزل، وكانت الجماعة تحتاج إلى أن تتعلم كتابها أولاً. ويبقى إذن النبي ﷺ بالتحديث هو الأصل العام.
هل قرأ علماء المسلمين الكتاب المقدس؟
نعم، منذ الجيل الأول. فقد سُئل الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص عن صفة النبي ﷺ في التوراة، فذكر من حفظه نصاً منها: «أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي … لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ» (صحيح البخاري 2125). وهذه الكلمات صدى لمقاطع «عبد الرب» في سفر إشعياء.
وفي القاهرة في القرن الخامس عشر الميلادي، نقل المفسر برهان الدين البقاعي (ت 885هـ/1480م) عن التوراة والأناجيل نقولاً طويلة في تفسيره «نظم الدرر». ولما اعترض عليه منتقدوه، كتب رسالة يدافع فيها عن صنيعه، واحتج بأن الكتب السابقة قد تضيء قصص القرآن. وقد قرأ علماء المسلمين الكتاب المقدس عبر القرون ليفهموا جيرانهم، وليتعمّقوا في فهم القرآن.
كيف يقرأ المسلم الكتاب المقدس؟
- والقرآن دليلك. اقرأ الكتاب المقدس إلى جانب القرآن، ولاحظ المواضع التي يرويان فيها القصص نفسها عن إبراهيم ويوسف وموسى ومريم وعيسى (ماذا يقول القرآن عن مريم؟بالإنجليزية).
- باحترام. عامل الكتاب بالكرامة اللائقة بنص يحمل اسم الله وكلام أنبيائه.
- مع الأصدقاء. فالقراءة مع الأصدقاء المسيحيين أو اليهود، وزيارة دور عبادتهم، من حسن الصحبة التي يثني عليها القرآن (هل يجوز للمسلم دخول الكنيسة؟).
- بتواضع. وحيث تلقى تعليماً يفهمه المسلمون على نحو آخر، كطبيعة عيسى، فاقرأه على أنه إيمان أصدقائك، واسألهم عنه (ماذا يعتقد المسلمون في عيسى؟).
في الختام
يخبر القرآن أن المؤمنين يعلنون إيمانهم بكل رسول أرسله الله:
لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦ
فتح الله قلوبنا لكل كلمة هدى أنزلها، وجعل قراءتنا لكتبه نوراً، وصلةَ مودة بكل من يحبه.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يحرم لمس الكتاب المقدس أو اقتناؤه؟
لا. فالكتاب المقدس فيه أسماء الله وكلام الأنبياء، فيتعامل معه المسلمون باحترام. واقتناؤه للدراسة، أو قبوله هدية من صديق، جائز.
هل يؤمن المسلمون بالكتاب المقدس؟
يؤمن المسلمون بأن الله أنزل التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى عليهم السلام. ويقرؤون الكتاب المقدس اليوم على أنه يحفظ كثيراً من ذلك الهدى، ويتخذون القرآن ميزاناً مهيمناً على الكتب السابقة (سورة المائدة: 48).
هل يجوز للمسلم أن يقرأ الكتاب المقدس مع أصدقائه المسيحيين أو في حلقة لدراسته؟
نعم. فقراءة الكتب معاً من المجادلة بالتي هي أحسن التي أمر بها القرآن (سورة العنكبوت: 46)، وهي تبني الصداقة والتفاهم اللذين يشجّع عليهما القرآن بين أهل الكتاب والمسلمين.
هل يتخلص المسلم الجديد من نسخته من الكتاب المقدس؟
لا. فللمسلم الجديد أن يحتفظ بالكتاب المقدس ويقرأه ويعتزّ بقصص الأنبياء التي فيه. فالقرآن مصدّق لما بين يديه، ويطلب من المؤمنين أن يكرموا كل رسل الله.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- القرآن الكريم: سورة آل عمران: 3، 93؛ سورة المائدة: 44-48؛ سورة يونس: 94؛ سورة العنكبوت: 46
- صحيح البخاري 2125، 3461، 4485، 7363
- برهان الدين البقاعي، «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور»
- وليد صالح (Walid A. Saleh)، In Defense of the Bible: A Critical Edition and an Introduction to al-Biqāʿī's Bible Treatise (بريل، 2008)
الصورة: 沈澄心 (Shen Chengxin), Prayer hall of the Great Mosque of Xi'an, 2024. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور