هل يجوز تمني الموت وسؤال الله إياه؟
سؤال رقم 1189
السؤال
هل يحرم أن يسأل المسلم الله الموت أو يتمناه حين تشتد عليه الحياة، وماذا يفعل بهذه المشاعر؟
ملخص الجواب
نهى النبي ﷺ المؤمنين أن يتمنوا الموت أو يدعوا به لضرّ نزل بهم، وعلّمهم مكانه دعاءً: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي». والأفكار التي تنبعث في القلب المتألم معفوّ عنها، وعمر المؤمن لا يزيده إلا خيراً، والله وعد مع كل عسر يسراً. ومن يحمل هذا الألم يستحق الرعاية والعون اليوم.
الجواب
الحمد لله

إن كنت تفكر في إنهاء حياتك، فاتصل أو أرسل رسالة نصية إلى الرقم 988 في الولايات المتحدة، أو اتصل بالرقم 116 123 (Samaritans) في بريطانيا وأيرلندا، أو برقم الطوارئ في بلدك. ويقدّم خط نصيحة (Naseeha) على الرقم 1-866-627-3342 دعماً سرياً للمسلمين في أمريكا الشمالية.
إن كنت تسأل هل يحرم أن تسأل الله الموت، فلعلك تحمل الآن شيئاً ثقيلاً جداً. والله يرى هذا الثقل، وقد خاطب رسوله ﷺ أناساً كانوا في هذا الموضع بعينه. فنهى المؤمنين أن يتمنوا الموت أو يدعوا به لضرّ نزل بهم، وأعطاهم كلمات خيراً منها يقولونها.
والأمنية نفسها، حين تنبعث من قلب موجوع دون أن يستدعيها صاحبها، معفوّ عنها عند الله. وإنما طلب النبي ﷺ أن نحوّلها إلى دعاء يترك التوقيت لله، وأن نمدّ أيدينا إلى من يعين. فحياتك غالية عند الله، وهي جديرة بأن تُحفظ الليلة.
هل يحرم تمني الموت في الإسلام؟
روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي»
والنهي هنا عن تمني الموت لضرّ: لمرض، أو فقد، أو وحدة، أو يأس. وفي رواية أخرى قال: «لاَ يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ وَلاَ يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ» (صحيح مسلم 2682). فسؤال الله إنهاء الحياة بسبب الألم أمرٌ نهى عنه النبي ﷺ، محبةً لمن يتألم.
وقوله: «فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً» يدل على أنه كان يعلم أن مثل هذه الكلمات تُلحّ أحياناً على الخروج. فعلّم دعاءً يصدُق الله في وصف الألم، ويكِل إليه ما هو آت.
هل يأثم من تراوده أفكار تمني الموت؟
قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا» (صحيح البخاري 5269). فالأفكار المظلمة التي تأتي في موسم الألم داخلة في هذا العفو، وهي علامة على جرح يحتاج إلى رعاية.
وإخبار أحد بها طلباً للعون عملٌ حسن شجاع. فقد جاء ناس من الصحابة إلى النبي ﷺ يشكون أفكاراً يتعاظمون أن يتكلموا بها، فأصغى إليهم، ثم أخبرهم أن خوفهم منها هو نفسه علامة على صفاء الإيمان: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ» (صحيح مسلم 132).
وحتى مريم عليها السلام، وهي وحيدة خائفة في آلام المخاض، صاحت: ﴿يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا﴾ (سورة مريم: 23). فأجابها الله في الحال بالمواساة: ﴿أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا﴾ (سورة مريم: 24). وقصتها في جواب ماذا يقول القرآن عن مريم؟
لماذا يطلب منا الإسلام أن نتمسك بالحياة؟
وقد بيّن النبي ﷺ العلة أيضاً:
«لاَ يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلاَّ خَيْرًا»
وقال ﷺ في المحسن والمسيء: «إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ» (صحيح البخاري 7235)، أي لعل المحسن يزداد خيراً، ولعل المسيء يرجع فيصلح ما أفسد. وكل يوم تبقى فيه يوم يمكن أن يأتي الله فيه بصلاة، أو معروف، أو شفاء، أو باب يُفتح لا تراه بعد.
وفكّر كذلك في الناس الذين ترتبط حياتهم بحياتك: أمٍّ، أو صديق، أو طفل ينظر إليك قدوة. فمن أحيا نفساً واحدة، كما يقول القرآن، فكأنما أحيا الناس جميعاً (سورة المائدة: 32)، وحياتك أنت واحدة من تلك النفوس.
وقد عرف النبي ﷺ نفسه أياماً ثقيلة. فلما اشتكى مرة فلم يقم الليل ليلتين أو ثلاثاً، جاءت امرأة تسخر منه وتزعم أن الذي كان يأتيه قد تركه، فأنزل الله سورة الضحى (صحيح البخاري 4950):
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ
ماذا يقول الله لمن فقد الأمل؟
فقد يعقوب عليه السلام يوسف، ثم فقد بعد سنين بنيامين أيضاً. ومع حزنه قال لبنيه: ﴿وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ﴾ (سورة يوسف: 87). ووعد الله، مرتين متتاليتين:
فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا
وقد استخرج عمر بن الخطاب من ذلك الدرس لقائد قلق، فكتب إليه: «وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» (موطأ مالك 964). وباب الله يبقى مفتوحاً مهما كان قد حدث (سورة الزمر: 53؛ وانظر جواب هل يغفر الله جميع الذنوب؟).
هل الرغبة في الموت علامة على ضعف الإيمان؟
كثيراً ما تكون الرغبة في الموت عرضاً من أعراض الاكتئاب أو مرض آخر، وقد يُبتلى بذلك أشد الناس إيماناً. وقد قال النبي ﷺ: «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً» (سنن أبي داود 3855، وصححه الألباني). وعلاج الاكتئاب ناجع، وطلبه من التوكل على الله. وانظر جوابَي هل الاكتئاب علامة على ضعف الإيمان؟ وهل يجوز للمسلم أن يذهب إلى معالج نفسي؟
ماذا أفعل حين يراودني هذا الشعور؟
- أخبر أحداً اليوم: صديقاً، أو قريباً، أو إماماً، أو طبيباً، أو خط مساعدة مثل 988 أو Samaritans أو نصيحة (Naseeha). وابقَ قريباً ممن يحبونك.
- قل دعاء النبي ﷺ. فإذا جاءتك كلمة «أريد أن أموت»، فحوّلها إلى: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي».
- ادعُ بدعاء الكرب. فقد كان النبي ﷺ يقول عند الكرب: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» (صحيح البخاري 6346). والمزيد في جواب كيف أدعو الله؟
والله أقرب إليك مما تشعر الليلة. رفع الله الثقل عن قلبك، وأحاطك بمن يحبونك، وأراك اليسر الذي وعد به، والأيام الطيبة الكثيرة التي ما زالت تنتظرك في حياتك.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يأثم من تراوده أفكار تمني الموت؟
الأفكار التي تنبعث في القلب الموجوع دون استدعاء داخلة في العفو الذي أخبر به النبي ﷺ: أن الله تجاوز لأمته عما حدّثت به أنفسها (صحيح البخاري 5269). وهي علامة على ألم يستحق الرعاية، فأخبر بها من تثق به، وتواصل اليوم مع خط مساعدة أو طبيب.
ما الدعاء الذي أقوله حين أشعر أني أريد الموت؟
علّم النبي ﷺ أن يقال: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي» (صحيح البخاري 5671). ثم كلّم الله بكلماتك أنت عن كل ما تحمله.
هل يحرم أن أتمنى أني لم أولد؟
لما اشتد المخاض على مريم عليها السلام قالت: «يا ليتني متّ قبل هذا» (سورة مريم: 23)، فأجابها الله في الحال بالمواساة والماء والطعام. فهذه الكلمات تخرج من الألم، والله يقابل الألم بالرحمة. فاحمل هذا الشعور إليه بالدعاء، وإلى من يعينك على حمله.
هل يجوز أن أسأل الله أن يتوفاني مسلماً؟
نعم. فقد دعا يوسف عليه السلام: «توفني مسلماً وألحقني بالصالحين» (سورة يوسف: 101). وهذا سؤال لحسن الخاتمة متى جاء الأجل الذي قدّره الله، وهو دعاء محبوب لكل مؤمن.
أسئلة ذات صلة
المصادر
الصورة: Ayyoubsabawiki, Morning light in the Nasir al-Mulk Mosque, Shiraz, 2015. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور