هل يجوز للمسلمين أن يسمّوا الله «أباً»؟

سؤال رقم 1216

السؤال

هل يجوز للمسلم أن يخاطب الله بـ«الأب» كما يفعل المسيحيون في صلاتهم؟

ملخص الجواب

لا يسمّي المسلمون الله «أباً». فالقرآن ينفي عنه أن يلد أو يولد (سورة الإخلاص: 3)، والمسلمون يدعونه بالأسماء التي سمّى بها نفسه، كالرحمن والودود. والعطف الذي تعبّر عنه كلمة «الأب» حاضر في الإسلام كاملاً: فقد أخبر النبي ﷺ أن الله أرحم بعباده من الأم بولدها (صحيح البخاري 5999). والمسيحيون الذين يصلّون «أبانا» إنما يعبّرون عن هذا القرب نفسه.

﴿لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ﴾

سورة الإخلاص: 3

الجواب

الحمد لله

A tall prayer niche in turquoise, cobalt, and white tile mosaic, framed by bands of Quranic inscription with a pointed arch at its heart.

لا يسمّي المسلمون الله «أباً». وسبب ذلك ما وصف به القرآنُ اللهَ تعالى، ولا ينطوي على أي جفاء تجاه المحبة التي تعبّر عنها هذه الكلمة. فالقرآن يبيّن صفة الله في أربع آيات قصار، تنفي إحداها كل صور الأبوة والبنوة:

قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ

سورة الإخلاص: 1-4

وفي الوقت نفسه، فإن الحنان الذي يدفع المسيحيين واليهود إلى تسمية الله «أباً» حاضر في كل جوانب الإسلام، والمسلمون يعبّرون عنه بالأسماء التي سمّى الله بها نفسه.

لماذا لا يسمّي المسلمون الله «أباً»؟

لذلك سببان، وكلاهما من القرآن.

ليس لله ولد. يردّ القرآن مراراً على القول بأن لله ابناً: ﴿وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا﴾ (سورة مريم: 92-93). وقد ارتبطت كلمة «الآب» في لغة الكنيسة بعقيدة الابن الأزلي، فيتجنب المسلمون كلمة قد توهم أن الله يشارك أحداً من خلقه في طبيعته.

ليس الناس أبناء الله بالولادة ولا بالمنزلة. لما قال بعض أهل الكتاب: ﴿نَحۡنُ أَبۡنَـٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ﴾ (سورة المائدة: 18)، ردّ عليهم القرآن: ﴿بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَ﴾ (سورة المائدة: 18). فكل إنسان يقف بين يدي الله عبداً له، وكلمة «العبد» في القرآن لقب تشريف. وقد وُصف النبي ﷺ نفسه بأنه «عبده» في الآية الأولى من سورة الإسراء: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ﴾ (سورة الإسراء: 1).

وقرر العلماء كذلك أن أسماء الله توقيفية، أي مأخوذة من الوحي. فالمسلمون يدعونه بما سمّى به نفسه في القرآن وبما علّمه النبي ﷺ، و«الأب» ليس من ذلك.

هل يحب الله عباده كما يحب الوالدان أولادهما؟

وأكثر من حب أي والد. فقد قُدم إلى المدينة بسبي، وفيهم امرأة فقدت رضيعها تبحث عنه في لهفة، كلما وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته. فسأل النبي ﷺ أصحابه: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا، أبداً. فقال:

«اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا»

صحيح البخاري 5999

فالصورة التي اختارها النبي ﷺ لمحبة الله هي صورة الأم. واسما الرحمة، الرحمن والرحيم، يرجعان إلى الأصل الذي ترجع إليه «الرَّحِم»، أي موضع الجنين من أمه. والقرآن يسمّي الله «الودود»: ﴿وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ﴾ (سورة البروج: 14).

والكلمة التي يُكثر المسلمون من استعمالها، «الرب»، تحمل هذا المعنى أيضاً. فكتب اللغة القديمة، ومنها «المفردات» للراغب الأصفهاني، تفسّر الربّ بأنه الذي يربّي الشيء وينشئه حالاً بعد حال حتى يبلغ تمامه. فالمسلم الذي يقول «يا ربّ» إنما يخاطب من يربّيه منذ ما قبل ولادته.

ما مدى قرب الله من المؤمن؟

تصف السنة الله مسرعاً إلى من أقبل عليه. ففي حديث قدسي يقول تعالى:

«أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي»

صحيح البخاري 7405

ثم يمضي الحديث نفسه فيقول: «وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (صحيح البخاري 7405). ووصف النبي ﷺ فرح الله بتوبة عبده بأنه أشد من فرح مسافر ضلّت عنه راحلته في الصحراء وعليها طعامه وشرابه، ثم أفاق فإذا هي قائمة عنده (صحيح مسلم 2747). وسيجد القارئ المسيحي في هذا صورة الأب الذي يركض لملاقاة ابنه العائد، في المثل الذي يرويه الإنجيل على لسان عيسى عليه السلام. والمسلمون يروون قصة الراحلة الضائعة، والمحبة التي تصفها القصتان واحدة.

كيف ينظر المسلم إلى صلاة المسيحيين «أبانا»؟

ينظر إليها باحترام. فحين يصلّي المسيحيون «أبانا»، يقصد أكثرهم رعاية الله وقربه وسلطانه، وقد سمّى أنبياء العبرانيين قبلهم الله أباً بهذا المعنى («والآن يا رب أنت أبونا. نحن الطين وأنت جابلنا»، سفر إشعياء 64: 8). والمسلمون يخالفون عقيدة التثليث، والقرآن يصرّح بذلك، لكنهم يدركون المحبة التي وراء هذه الكلمات. وللمسلم الذي يحضر صلاة مسيحية أو جنازة أن يقف صامتاً بأدب حين تُتلى الصلاة الربانية، وأن يشارك بقلبه فيما تتضمنه من دعاء. انظر هل يعبد المسلمون والمسيحيون الإله نفسه؟ وهل يجوز للمسلم دخول الكنيسة والصلاة فيها؟

ويكرم المسلمون عيسى عليه السلام نبياً من أعظم الأنبياء. وفي القرآن يقول لقومه: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُ﴾ (سورة مريم: 36)؛ انظر ماذا يعتقد المسلمون في عيسى؟ أما وحدانية الله وتنزّهه عن الذكورة والأنوثة فمبيّنان في جوابَي ما هو التوحيد في الإسلام؟ وهل الله ذكر أم أنثى؟

كلمة أخيرة

يجيب الله بنفسه عن سؤال قربه:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ

سورة البقرة: 186

فادعه بأسمائه: يا رحمن، يا ودود، يا رب. فهو أقرب إليك من أي والد، وهو يسمع.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يجوز للمسلم أن يقرأ الصلاة الربانية؟

أكثر ما في الصلاة الربانية، من تقديس اسم الله، وسؤال الخبز اليومي، وطلب المغفرة، يوافق دعاء المسلمين. ولأنها تبدأ بقول «أبانا»، يقف المسلمون في العادة صامتين بأدب حين تُتلى، أو يدعون بكلماتهم، كما هو مبيّن في الجواب المذكور هنا عن دخول الكنائس.

هل الله ذكر؟

لا. فالله منزّه عن الذكورة والأنوثة وعن كل شبه (سورة الشورى: 11). وضمير «هو» في العربية مسألة نحوية، وصور رحمة الله في القرآن تستمد من حب الأم بقدر ما تستمد من حب الأب.

بأي الأسماء يدعو المسلمون الله؟

يدعو المسلمون الله بأسمائه الحسنى (سورة الأعراف: 180)، كالرحمن، والرحيم، والودود، واللطيف، والولي. واسم «الرب» يحمل معنى الذي يربّي ويرعى.

هل سمّى عيسى الله أباً في القرآن؟

يقول عيسى عليه السلام في القرآن إن الله ربه وربهم، ويأمرهم بعبادته (سورة مريم: 36). ويكرم المسلمون عيسى نبياً عظيماً، ويفهمون تعليمه في ضوء هذه الآية.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 5999 (الله أرحم بعباده من الأم بولدها)
  2. صحيح البخاري 7405 (أنا عند ظن عبدي بي)
  3. صحيح مسلم 2747 (فرح الله بتوبة عبده)
  4. الراغب الأصفهاني، «المفردات في غريب القرآن» (مادة رب)
  5. الغزالي، «المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»

الصورة: Unknown tile makers, Mihrab from the Madrasa Imami, Isfahan, 1354–1355. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور