هل يجوز للمسلم العمل في مكان يبيع الخمر أو لحم الخنزير؟
سؤال رقم 1176
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يعمل في متجر أو مطعم أو فندق أو شركة طيران أو خدمة توصيل تبيع الخمر أو لحم الخنزير، كأن يعمل محاسباً أو طاهياً أو نادلاً أو سائقاً؟
ملخص الجواب
العمل في متجر أو مطعم أو فندق أو مستودع يُباع فيه الخمر أو لحم الخنزير حلال. فإثم الشرب على الشارب، وبهذا علّل أبو حنيفة حين أجاز للمسلم الذي استأجره غير مسلم لحمل الخمر أن يأخذ أجرته. وأكثر هذه الأماكن تبيع في الغالب سلعاً مباحة، والكسب لإعالة النفس والأسرة واجب. أما صبّ المشروبات فأشد خلافاً، ولمن وجد عملاً آخر أن يختاره.
الجواب
الحمد لله

في أوروبا وأمريكا الشمالية وكثير من بلدان آسيا يرتّب المسلمون رفوف المتاجر، ويطبخون في مطابخ الفنادق، ويخدمون على متن الطائرات، ويعملون سائقين في تطبيقات التوصيل، وكثير من هذه الأماكن يبيع الخمر أو لحم الخنزير. فهل يجوز للمسلم أن يعمل حيث يُباع الخمر أو لحم الخنزير؟ القول الأرجح أنه يجوز. فالشرب والأكل فعل الزبائن الذين يختارونه، وقد أجاز أبو حنيفة أجرة حمل الخمر لغير المسلم، والكسب لإعالة النفس والأسرة واجب تحميه الشريعة. أما الأعمال التي يكون فيها صبّ المشروبات مباشرة فأشد خلافاً، وهناك يتسع لضمير المسلم أن يختار.
ماذا تقول الأحاديث في الخمر ومن حولها؟
يستند القول الأشد إلى حديث قال فيه النبي ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ» (سنن أبي داود 3674، وصححه الألباني؛ وانظر جامع الترمذي 1295). وفي حديث آخر قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ» (صحيح البخاري 2236). ويستنتج بعض العلماء المعاصرين من هذه النصوص أن كل عمل يتصل بالخمر أو لحم الخنزير حرام. وهو قول معتبر، والمسلم الذي يترك مثل هذا العمل احتياطاً يعمل به عن صدق نية.
ماذا قال أبو حنيفة؟
قرأ الإمام أبو حنيفة (ت 150هـ/767م)، رحمه الله، النصوص نفسها ناظراً إلى من يرتكب الإثم. فقد نقل المرغيناني (ت 593هـ/1197م) في «الهداية»، وهو من متون الفقه الحنفي، قوله إن المسلم الذي يستأجره غير مسلم لحمل الخمر تطيب له أجرته. وعلّته أن الإثم في الشرب، وهو فعل الشارب باختياره، والحمل لا يستلزم أن يشرب أحد أصلاً. وكره ذلك صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، مستدلين بحديث العشرة. والقرآن يقرر الأصل الذي يقوم عليه قول أبي حنيفة:
وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ
وكان الحنفية كذلك يعدّون الخمر والخنزير مالاً متقوّماً في أيدي غير المسلمين الذين تبيحها لهم أديانهم. فسائق التوصيل، وعامل المستودع، والمحاسب الذي يخدم زبائن من كل الأديان، قريبون جداً من المسألة التي أفتى فيها أبو حنيفة.
هل بيع الخمر يختلف عن العمل حيث تُباع؟
حديث البيع يخاطب المسلمين الذين يتّجرون في الخمر والخنزير ويجعلونهما تجارتهم. أما الموظف في متجر أو فندق أو شركة طيران فحاله مختلفة. فهو يبيع الخبز والدواء والثياب، ثم تمرّ بيده زجاجة بين حين وآخر. وقاعدة الفقهاء أن العبرة للغالب، والغالب على العمل في هذه الأماكن مباح.
ويضيف العيش في أقلية ثِقَل الحاجة. فكثير من المسلمين في البلدان غير المسلمة لا يجدون إلا خيارات قليلة من وظائف البداية، والأسرة لا بد أن تُطعَم (هل يجوز للمسلم العيش في بلاد غير المسلمين؟). وهنا تنطبق قاعدة القرآن:
لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا
ويثير لحم الخنزير مسألة أخرى هي الطهارة. فلمسه لا يضرّ إيمان المسلم، ويكفيه أن يغسل يديه قبل الصلاة، والمالكية يرون كل حيوان حيّ طاهراً، والخنزير منه. أما علة تحريم الخنزير طعاماً، وكيفية التعامل معه، فمبيّنتان في جوابَي لماذا حرّم الله لحم الخنزير؟ وهل يجوز للمسلم لمس لحم الخنزير أو بيعه؟
ماذا عن العمل في الحانات وتقديم المشروبات؟
ساقي الخمر مذكور في الحديث، ولذلك كانت الأعمال التي مدارها كله على صبّ المشروبات أشد الصور خلافاً. وتعليل أبي حنيفة يقتضي جواز الأجرة هنا أيضاً، لأن الشارب هو الذي يختار أن يشرب. ويخالفه في ذلك كثير من العلماء. فمن استطاع من المسلمين أن يجد عملاً آخر، في المطبخ أو في الاستقبال أو في مكان آخر، فله أن يؤثره، ومن كان يعتمد على هذا العمل الآن فله أن يبقى فيه وهو يبحث، دون يأس. ويبقى الشرب نفسه حراماً على العامل (هل الكحول حرام في الإسلام؟).
وقد أعطى النبي ﷺ كل مؤمن ميزاناً لمثل هذه المسائل:
«الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»
كيف يحسن المسلم العمل في هذه الأماكن؟
- أتقن عملك. «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ» (صحيح مسلم 1955).
- اطلب تسهيلات معقولة: أوقاتاً للصلاة، أو قفازات، أو مهام أخرى. فكثير من أصحاب العمل يوافقون، وحقوق العمال من عدل الشريعة (ماذا يقول الإسلام عن حقوق العمال؟).
- عامل كل زبون بلطف، أياً كان ما يشتريه.
- لا تحكم على زملائك المسلمين الذين يزنون المسألة على نحو آخر.
- واصل البحث عن العمل الذي تحبه. والتعليل نفسه يجري في أعمال أخرى يسأل عنها الناس، كالعمل في البنوك (هل العمل في البنك حرام؟).
ابتغاء فضل الله
يدعو القرآن المؤمنين إلى السعي في الأرض ما إن تنقضي الصلاة:
فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ
بارك الله في الأيدي العاملة، ورزق كل أسرة من الطيبات، وأسكن قلب كل عامل الطمأنينة.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يحرم العمل في سوبرماركت يبيع الخمر؟
لا. فالسوبرماركت يبيع في الغالب الخبز والحليب والفاكهة والحاجات المنزلية، والمحاسب الذي يمرّر زجاجة بينها يكسب أجراً حلالاً. واختيار الشرب للزبون البالغ.
هل يحرم العمل في تقديم المشروبات في الحانات؟
هذه أشد الصور خلافاً، لأن الحديث ذكر ساقي الخمر. وتعليل أبي حنيفة، أن الإثم في الشرب، يقتضي جوازه، بينما يحرّمه كثير من العلماء. فمن استطاع أن يجد عملاً آخر فليؤثره، ومن كان يعتمد على هذا العمل الآن فله أن يبقى فيه وهو يبحث عن غيره.
هل يجوز لي توصيل طعام فيه لحم خنزير أو خمر؟
نعم. فهذه الصورة قريبة جداً من المسألة التي أفتى فيها أبو حنيفة، وهي حمل الخمر لغير المسلم بأجرة، وقد رأى الأجرة حلالاً. وسائق التوصيل يحمل طلبات مغلقة لبالغين يختارون ما يأكلون ويشربون.
هل لمس لحم الخنزير ينقض الوضوء؟
لا. فلمس لحم الخنزير لا ينقض الوضوء ولا يمسّ الإيمان. اغسل يديك قبل الصلاة، والبس القفازات إن شئت، وكثير من أصحاب العمل يكلّفونك بمهام أخرى إذا طلبت.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- المرغيناني، «الهداية»، كتاب الكراهية (قول أبي حنيفة في أجرة حمل الخمر لغير المسلم)
- جامع الترمذي 1295 وسنن أبي داود 3674 (العشرة الملعونون في الخمر)
- صحيح البخاري 2236 (تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)
- صحيح مسلم 2553 (البر والإثم)
الصورة: Diego Delso, The Vakil Bazaar, Shiraz, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور