هل عمليات التجميل وتجميل الأنف حرام؟
سؤال رقم 1159
السؤال
هل يجوز إجراء عمليات التجميل، كتجميل الأنف، حين لا تدعو إليها حاجة طبية صارمة؟
ملخص الجواب
عمليات التجميل حلال، ومنها الجراحة التجميلية كتجميل الأنف، إذا اختارها المرء بحرية ورأى جرّاح أمين أنها مأمونة. فقد أمر النبي ﷺ عرفجة بن أسعد، وقد قُطع أنفه في معركة، أن يتخذ أنفاً من ذهب، وأمر أمته بالتداوي. وقد فسّر ابن عباس وغيره من المتقدمين تحذير القرآن من تغيير خلق الله (سورة النساء: 119) بأنه تحذير من تبديل دينه.
الجواب
الحمد لله

أنفٌ كُسر في الطفولة، وندبة خلّفها حادث، وأذنان جلبتا على صاحبهما السخرية سنين، وجسد غيّره الحمل أو المرض: كثير من المسلمين يفكرون في الجراحة ثم يتساءلون أيأذن الله بها. وعمليات التجميل حلال، ومنها الجراحة التجميلية كتجميل الأنف، إذا اختارها المرء بحرية ورأى جرّاح أمين أنها مأمونة. وفي السنة نفسها خبر أنفٍ أُعيد صنعه بأمر النبي ﷺ.
ماذا يقول حديث الأنف الذهبي؟
قُطع أنف عرفجة بن أسعد يوم الكُلاب، وهي معركة خاضها العرب قبل الإسلام. وروى حفيده ما كان بعد ذلك:
«قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلاَبِ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ»
سنن أبي داود 4232، وحسّنه الألباني
والأنف المعدني لا يعيد وظيفة التنفس ولا الشم، وإنما كان مقصده الوجه: هيئة عرفجة وكرامته بين الناس. ولهذا المقصد أباح النبي ﷺ لرجل أن يتخذ الذهب، وهو معدن قيّد لبسه للرجال في غير ذلك (هل يجوز للرجال لبس الذهب؟). وما زال الفقهاء منذ ذلك الحين يستدلون بهذا الحديث في أحكام الأطراف الصناعية وردّ الخلقة إلى هيئتها.
وأمر النبي ﷺ أمته فقال: «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً» (سنن أبي داود 3855، وصححه الألباني). والضيق من الهيئة حين يثقل على صاحبه سنين ضررٌ حقيقي، والقاعدة الشرعية أن الضرر يُزال، لقوله ﷺ: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» (سنن ابن ماجه 2341).
هل عمليات التجميل تغيير لخلق الله؟
يأتي الاعتراض الأكبر من آية يتوعّد فيها الشيطان أن يُضلّ الناس، فيقول: ﴿وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِ﴾ (سورة النساء: 119). وقد اختلف المفسرون الأوائل في معناها. فنقل الطبري (ت 310هـ/923م) أن بعضهم قال: هو الخصاء، وقال بعضهم: هو الوشم، وقال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي: خلق الله هنا دين الله. ورجّح الطبري قولهم، واستشهد له بآية أخرى:
فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِ
وقصر المفسر التونسي الكبير ابن عاشور (ت 1393هـ/1973م) الآية على التغيير الذي يأمر به الشيطان في العبادة الباطلة، كتبتيك آذان الأنعام في طقوس الجاهلية، وهو مذكور في الآية نفسها. ولو أُخذت الآية على ظاهرها لحرّمت الختان وتقليم الأظفار وجبر العظم المكسور، وكلها مما أمرت به السنة أو أباحته.
ويستدل أصحاب القول الأشد كذلك بحديث ابن مسعود رضي الله عنه في لعن الواشمات والمتنمصات والمتفلجات «لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى» (صحيح البخاري 5931). وفي رواية ابن عباس أن اللعن إنما يقع على هذه الأفعال إذا كانت «مِنْ غَيْرِ دَاءٍ» (سنن أبي داود 4170). وبيّن النووي (ت 676هـ/1277م) في شرحه على صحيح مسلم أن تفليج الأسنان للعلاج أو لإصلاح عيب جائز. وعلى هذا النحو نفسه يجري الاستدلال في الحواجب في جواب هل نتف الحواجب حرام؟، وفي الوشم في جواب هل الوشم حرام؟
هل تحرم الجراحة التجميلية بلا حاجة طبية؟
يجيز كثير من العلماء المعاصرين الجراحة الترميمية بعد الحروق والحوادث والسرطان والعيوب الخلقية، ويمنعون الجراحة التي يُقصد بها التجميل المحض. والمسلمون الذين يأخذون بهذا القول يعملون بحسن نية.
والقول الأرجح أن الجراحة التجميلية جائزة كذلك. فالحدّ بين الإصلاح والتجميل دقيق، وأنف عرفجة نفسه كان من أمر الهيئة. وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (صحيح مسلم 91)، ويسأل القرآن: ﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ﴾ (سورة الأعراف: 32). ومن أصلح ملمحاً طالما ضاق به، ثم دخل على الناس مطمئناً، فقد نال رحمة.
وللشريعة شروط تحمي الإنسان:
- الاختيار الحر. فالقرار للإنسان وحده، لا لزوج ولا لوالد ولا لموضة على الإنترنت.
- السلامة. ينبغي أن يرى جرّاح مؤهل أن النفع أرجح من الخطر.
- العناية بالنفس. فالجراحة لا تشفي كل حزن، وحين يكون الضيق بالجسد عميقاً فالمرشد النفسي الجيد جزء من العلاج.
ويجمع القرآن بين الأمر باجتناب التهلكة والأمر بالإحسان:
وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ
ما حكم تجميل الأنف وشفط الدهون والجراحة بعد الحمل؟
تجميل الأنف، وتصحيح الأذنين، وجراحة الجفون، وشفط الدهون، ونحت الجسم بعد الحمل أو بعد فقدان كبير للوزن، كلها داخلة في الحكم نفسه: حلال إذا اختيرت بحرية وأُجريت بأمان. أما البوتوكس والفيلر فيزول أثرهما في أشهر، وهذا يقرّبهما من المكياج (هل المكياج حرام؟). وأما الجراحة التي تعين الشخص العابر جنسياً على أن يعيش في سلام مع جسده فمبحوثة في جواب هل عملية تغيير الجنس حرام في الإسلام؟
كلمة في الختام
صوّر الله كل وجه بعناية:
لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ
وسواء أبقيت على الوجه الذي وُلدت به أم غيّرت ملمحاً أثقل عليك، فتلقَّ جسدك أمانةً وهبة. فاحمد الله عليه، واعتنِ به، ودع جمال خُلُقك ينمو معه.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل البوتوكس والفيلر حرام؟
البوتوكس والفيلر حلال بالشروط نفسها التي تحلّ بها الجراحة: الاختيار الحر، والمختص المؤهل، وألا يكون فيهما خطر جسيم على الصحة. وكلاهما يزول أثره في أشهر، وهذا يقرّبهما من المكياج فيما قرره العلماء في الزينة المؤقتة.
هل تجوز إعادة بناء الثدي أو تصغيره؟
نعم. فإعادة البناء بعد السرطان تردّ ما أخذه المرض، والتصغير يرفع الألم والإجهاد عن الجسد. وكلاهما تداوٍ بأتم معنى الكلمة، أما التكبير الذي يُختار بحرية وأمان فحكمه الحكم العام في هذا الجواب.
هل تؤثر الغرسات أو الأطراف الصناعية في الوضوء أو الغسل؟
لا. فالغرسات تكون تحت الجلد، وماء الوضوء والغسل إنما يجب أن يصل إلى ظاهر البدن.
هل أجري العملية إن كان زوجي أو أهلي يضغطون عليّ؟
العملية قرارك أنت في جسدك، وجسدك أمانة من الله. والضغط من الزوج أو الأقارب أو وسائل التواصل داعٍ إلى التمهّل، والقرار الذي يُتخذ بحرية بعد تفكير ومشورة حسنة هو الذي تحترمه الشريعة.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- سنن أبي داود 4232 (أنف عرفجة بن أسعد من ذهب)
- سنن أبي داود 3855 (الأمر بالتداوي)
- صحيح البخاري 5931؛ سنن أبي داود 4170
- الطبري، «جامع البيان»، تفسير سورة النساء: 119
- النووي، «المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج»
- ابن عاشور، «التحرير والتنوير» (تفسير سورة النساء: 119)
الصورة: Diego Delso, The entrance iwan of the Shah Mosque, Isfahan, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور