كم زوجة يجوز للمسلم أن يتزوج؟
سؤال رقم 1076
السؤال
كم زوجة يبيح الإسلام للرجل أن يتزوج، وما شروط الجمع بين أكثر من زوجة؟
ملخص الجواب
جعل القرآن الأربع حداً أعلى لتعدد الزوجات، وقيّده بالعدل: فمن خاف ألا يعدل فواحدة (سورة النساء: 3)، وأخبر أن العدل التام بين الزوجات فوق طاقة البشر (سورة النساء: 129). وانتهى محمد عبده إلى أن التعدد لا يجوز إلا لضرورة حقيقية. والقول الصحيح اليوم اشتراط الرضا الحر من كل طرف في الزواج، وللمرأة أن تشترط في عقدها ألا يتزوج عليها.
الجواب
الحمد لله

يجوز للمسلم أن يتزوج إلى أربع زوجات على القراءة الموروثة للقرآن، غير أن الآية نفسها التي ذكرت العدد علّقته بشرط يغيّر كل شيء: العدل. فمن خاف ألا يعدل، يقول القرآن، فواحدة. وبعد صفحات قليلة يضيف أن العدل التام بين الزوجات فوق طاقة أي رجل مهما حرص. ومن قراءة الآيتين معاً انتهى كثير من العلماء، من محمد عبده فمن بعده، إلى أن الزوجة الواحدة هي الأصل في القرآن، وأن التعدد استثناء ضيق.
ماذا يقول القرآن في عدد الزوجات؟
جاء الإذن في سورة النساء، في سياق الحديث عن اليتامى. فبعد غزوة أحد التي تركت أطفالاً كثيرين بلا آباء، أراد بعض الأولياء أن يتزوجوا اليتيمات اللواتي في رعايتهم ليستولوا على أموالهن من غير أن يعطوهن مهراً عادلاً. وقد بيّنت عائشة رضي الله عنها أن الآية نزلت لتمنع ذلك (صحيح البخاري 4574):
فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ
ثم تمضي الآية من فورها:
فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً
وتُختم الآية بقوله: ﴿ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ﴾ (سورة النساء: 3)، أي أقرب إلى ألا تجوروا. فالعدد أربعة سقف، والعدل هو الذي يقرر هل يجوز للرجل أن يتجاوز الواحدة أصلاً.
ماذا تقول المذاهب السنية والشيعة في الزوجات الأربع؟
تتفق المذاهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، والمذهب الجعفري، على أن الأربع هي الحد الأعلى لزوجات الرجل في وقت واحد. فلما أسلم غيلان بن سلمة الثقفي وعنده عشر نسوة، أمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعاً (جامع الترمذي 1128، وصححه الألباني). أما زيجات النبي ﷺ اللاحقة فكانت بحكم خاص به وحده (سورة الأحزاب: 50).
وتكشف حياته ﷺ كذلك عما كان الزواج يعنيه عنده. فقد عاش خمساً وعشرين سنة زوجاً لخديجة رضي الله عنها وحدها، وظل يذكرها بالحب بعد وفاتها بزمن طويل. وكانت أكثر النساء اللواتي تزوجهن بعدها أرامل أو مطلقات، وقد ترمّلت عدة منهن بسبب الحرب.
هل يستطيع الزوج أن يعدل بين أكثر من زوجة؟
يجيب القرآن عن هذا السؤال بنفسه، في السورة ذاتها:
وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡ
وقد فهم الفقهاء المتقدمون الآية 129 على أنها في ميل القلب الذي لا يملكه الرجل، وفهموا الآية 3 على أنها تطلب العدل في المبيت والنفقة والرعاية، وهو ما يملكه. ومع ذلك تأمر الآية الزوج: ﴿فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِ﴾ (سورة النساء: 129). فالعدل في الوقت والمال كان الحد الأدنى، وصراحة القرآن في شأن القلب كانت تحذيراً.
ماذا قال محمد عبده والمصلحون؟
قرأ محمد عبده (ت 1905م)، مفتي الديار المصرية، هذه الآيات في ضوء الضرر الذي رآه في أسر زمانه: زوجات مهملات، وأولاد من أمهات مختلفات يُحرَّض بعضهم على بعض. واستناداً إلى قاعدة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ذهب إلى أن التعدد لا يجوز إلا في حالات الضرورة الحقيقية، وأن لولي الأمر أن يقيّده إذا جرّ ضرراً. وحمل تلميذه محمد رشيد رضا هذه الحجة إلى تفسيرهما «تفسير المنار».
وفي تونس دعا العالم الطاهر الحداد سنة 1930 إلى إنهاء التعدد كلياً، ثم منعته مجلة الأحوال الشخصية التونسية سنة 1956. واختارت بلاد أخرى ذات أغلبية مسلمة أن تنظّمه. فمدونة الأسرة المغربية لسنة 2004 تشترط إذن القاضي، ومبرراً جدياً، وإثبات قدرة الزوج على الإنفاق على الأسرتين بالتساوي، ويجب إعلام الزوجة الأولى ولها أن تعترض، وإذا اشترطت في عقدها ألا يتزوج عليها امتنع الزواج الثاني. وللجزائر ودول أخرى أحكام مشابهة.
هل يحتاج الرجل إلى إذن زوجته الأولى؟
لم تشترط ذلك المذاهب الموروثة، ومع ذلك أعطى التراث المرأة سبيلاً لحماية نفسها. ففي المذهب الحنبلي يجوز للعروس أن تشترط في عقدها ألا يتزوج زوجها عليها، فإن أخلّ بالشرط فلها أن تفسخ الزواج. وقد قال النبي ﷺ: «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (صحيح البخاري 2721).
وقد أبى النبي ﷺ نفسه أن يتزوج صهره علي على ابنته فاطمة، فقال وهو على المنبر:
«فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا»
وكل زوجة هي ابنة أحد. والقول الأرجح اليوم، نظراً إلى ما يطلبه القرآن من العدل وما أظهرته السنة من رعاية لفاطمة، أن التعدد لا يحل إلا برضا حر واعٍ من كل طرف في الزواج. فالرضا أساس كل زواج (هل يجوز الزواج بالإكراه في الإسلام؟)، والزوجة التي لم ترضَ بأن تُشارَك في زواجها قد ظُلمت، ولها أن تطلب الطلاق إن شاءت (هل الطلاق حرام في الإسلام؟).
هل يحرم الزواج الثاني سراً؟
الزواج الثاني في السر يسقط في كل امتحان يضعه القرآن. فهو يخدع الزوجة الأولى، ويترك الزوجة الثانية في الغالب بلا حماية قانونية، ويخالف في أكثر البلاد الغربية القانون الذي وعد المسلمون بالتزامه. والقرآن يأمر: ﴿أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِ﴾ (سورة المائدة: 1). والعدل الذي يحتاج إلى أن يُخفى لا يكون عدلاً.
كيف يفهم المسلمون التعدد اليوم؟
لبّى التعدد حاجة في مجتمع كثرت فيه أرامل الحرب واليتامى، وأحاطه القرآن بشروط تشير إلى الزوجة الواحدة. والمسلمون الذين يختارون الزوجة الواحدة يأخذون بالنتيجة التي يصل إليها القرآن نفسه. أما حيث يرضى كل الأطراف بحرية، ويصدقون، ويُعاملون بكرامة متساوية، فالمسائل الأوسع للعلاقات المتعددة مبحوثة في جواب هل تعدد الشركاء بالتراضي حرام في الإسلام؟، ورؤية القرآن لمكانة المرأة المساوية في جواب ماذا يقول القرآن عن المرأة؟.
ويصف القرآن الزوجين بأن كلاً منهما لباس للآخر: ﴿هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّ﴾ (سورة البقرة: 187)، ففي اللباس قرب وحماية وستر للعيوب. وأياً كان شكل الزواج فميزانه عند الله واحد: أن يُعامل كل من فيه بالعدل والصدق والرحمة. نسأل الله أن يملأ كل بيت مسلم بهذه الرحمة.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يجوز للمسلم أن يتزوج أكثر من أربع؟
لا. فالمذاهب السنية والمذهب الجعفري متفقة على أن الأربع هي الحد. وقد كان للنبي ﷺ أكثر من ذلك بحكم خاص به (سورة الأحزاب: 50)، وأمر من أسلم وعنده أكثر من أربع أن يمسك أربعاً فقط.
هل يحتاج الرجل إلى إذن زوجته الأولى ليتزوج ثانية؟
لم يشترط ذلك الفقه الموروث. لكن المذهب الحنبلي يجيز للمرأة أن تشترط في عقدها ألا يتزوج عليها، ويُلزم المغرب والجزائر اليوم المحاكم بالاستماع إلى الزوجة الأولى. والقول الأرجح اليوم أن التعدد من غير رضا حر من كل طرف ظلم للزوجة.
هل يحرم الزواج الثاني سراً؟
الزواج الثاني في السر خداع للزوجة الأولى، وهو في الغالب مخالف لقانون البلد، فيخلّ بما يطلبه القرآن من العدل وبواجب الوفاء بالعقود. والعلماء الذين يجيزون التعدد أصلاً يشترطون فيه العلانية.
هل يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج أكثر من رجل؟
أباح الفقه الموروث التعدد للرجال وحدهم. أما هل تمتد الكرامة المتساوية بالحرية نفسها إلى النساء فمبحوث في جواب تعدد الشركاء بالتراضي.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 4574 (عائشة في سبب نزول سورة النساء: 3)؛ 5230 (فاطمة وعلي)
- محمد عبده ومحمد رشيد رضا، «تفسير المنار»، تفسير سورة النساء: 3
- ابن قدامة، «المغني»، في الشروط في عقد النكاح
- الطاهر الحداد، «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» (1930)
- مجلة الأحوال الشخصية التونسية (1956)، الفصل 18
- حركة مساواة (Musawah)، أبحاث في تعدد الزوجات في قوانين الأسرة في البلاد الإسلامية
الصورة: Bernard Gagnon, Interior of the Tabatabaei House, Kashan, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور