هل تعدد العلاقات بالتراضي حرام في الإسلام؟

سؤال رقم 1009

السؤال

هل يجوز في الإسلام أن تكون للمرء أكثر من علاقة حب أو زواج في وقت واحد، بعلم الجميع ورضاهم؟

ملخص الجواب

تعدد العلاقات حلال إذا رُوعي فيه رضا كل طرف بحرية، والصدق، والكرامة المتساوية، والرعاية. فالقرآن أباح تعدد الزوجات (سورة النساء: 3) وقيّده بالعدل، ونهى أن تُترك زوجة كالمعلّقة (سورة النساء: 129). وجعل النبي ﷺ الرضا شرطاً في كل زواج، وأجاز المذهب الحنبلي للزوجة أن تشترط في عقدها ما تشاء من الشروط. ولأن المرأة والرجل سواء عند الله، فالحرية نفسها والواجبات نفسها لكليهما.

الجواب

الحمد لله

Sunlight through stained-glass windows throws pools of red, blue, green, and violet across the carpets between the carved columns of a dim prayer hall.

تعدد العلاقات (ويُعرف بالبوليأموري) أن تكون للمرء أكثر من علاقة حب في وقت واحد، بعلم كل من فيها ورضاه. والمسلمون الذين يعيشون على هذا النحو، أو يفكرون فيه، كثيراً ما يسألون: هل يمكن أن يكون حلالاً؟ والقول الأرجح أن تعدد العلاقات حلال إذا رُوعي فيه رضا كل طرف بحرية، والصدق، والكرامة المتساوية، والرعاية. فالقرآن قد أباح تعدد الزوجات وأحاطه بشرط العدل، والسنة جعلت الرضا قلب كل اقتران. وهذه الشروط نفسها هي ما يجعل أي علاقة متعددة مرضية عند الله.

ماذا يقول القرآن في الجمع بين أكثر من زوج؟

أباح القرآن تعدد الزوجات في آية تبدأ بواجب العدل مع اليتامى:

فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً

سورة النساء: 3

ثم تعود السورة نفسها إلى المسألة بتحذير:

وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِ

سورة النساء: 129

وقد قرأ محمد عبده (ت 1905م) ورشيد رضا هاتين الآيتين معاً في «تفسير المنار»، وانتهيا إلى أن التعدد رخصة مقيدة بعدل عسير المنال، يشمل القلب كما يشمل المال والوقت. وأياً كانت صورة الأسرة، فميزان القرآن فيها واحد: العدل مع كل فرد فيها.

هل يُشترط رضا كل الأطراف؟

نعم، وهنا تبلغ السنة غاية الوضوح. فقد نهى النبي ﷺ أن تُزوَّج امرأة بغير إذنها (صحيح البخاري 5136). وذهب المذهب الحنبلي أبعد من ذلك، فأثبت للزوجة حق اشتراط ما تشاء في عقد زواجها، ومن ذلك ألّا يتزوج عليها زوجها. فإن أخلّ بالشرط كان لها أن تفسخ النكاح، كما قرر ابن قدامة (ت 1223م) في «المغني».

وبيّن النبي ﷺ كذلك كم يُعتدّ بقلب الزوجة القائمة. فحين استأذنه قوم أن يزوّجوا ابنتهم علياً، وهو زوج ابنته فاطمة رضي الله عنها، أبى ذلك على المنبر وقال:

«فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا»

صحيح البخاري 5230

فالعلاقة المتعددة التي يحتملها أحد الطرفين على كره، أو يعلم بها بعد وقوعها، لا تجتاز هذا الميزان. والزواج الثاني المكتوم عن الزوجة خيانة للميثاق الغليظ الذي قام عليه الزواج الأول، وفيه يقول القرآن: ﴿وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا﴾ (سورة النساء: 21). فالرضا يجب أن يكون حراً، عن علم، يتجدد كلما نمت العلاقة (هل يجوز الزواج بالإكراه في الإسلام؟).

هل يجوز للمرأة المسلمة أن يكون لها أكثر من شريك؟

أباحت المذاهب الفقهية الجمع بين أكثر من زوج للرجال وحدهم. وأكثر ما علل به الفقهاء ذلك حفظ النسب: فلكل ولد حق في أن يعرف أباه. وهذا قول المذاهب السنية الأربعة والمذهب الجعفري.

والقول الأرجح ينطلق من المنزلة المتساوية التي أعطاها القرآن للمرأة والرجل. فالله تعالى يقول: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖ﴾ (سورة التوبة: 71)، ويخاطب القرآن المسلمين والمسلمات بالكلمات نفسها حين يعدهم المغفرة والأجر العظيم (سورة الأحزاب: 35). والمساواة بين المرأة والرجل من الإسلام (هل النسوية تتوافق مع الإسلام؟)، والحرية التي أُعطيت للرجال بشرط العدل تثبت للنساء بالشرط نفسه. ويبقى حفظ النسب واجباً حقيقياً، يتحقق اليوم بالطب الذي يُثبت الأبوة يقيناً، وبالأسر التي تحفظ عهوداً واضحة في تربية كل ولد.

هل عرف التراث صوراً أخرى للعلاقة؟

نعم. فقد روى الصحابي عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ رخّص لأصحابه في الغزو أن يتزوجوا المرأة إلى أجل، ثم قرأ: «لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ» (صحيح البخاري 4615). ويرى علماء أهل السنة أن هذه الرخصة نُسخت بعد ذلك (صحيح البخاري 5115)، أما الفقه الجعفري فيُبقي زواج المتعة إلى اليوم: عقد إلى أجل معلوم بمهر، يُعقد برضا حر (ما الفرق بين السنة والشيعة؟). فالفقه الإسلامي ما زال يصوغ عقد الزواج على قدر حاجات الناس، في حدود الرضا والعدل.

ما الذي يجعل تعدد العلاقات حلالاً، وما الذي يجعله حراماً؟

  • الكل يعلم والكل يرضى. خداع أي طرف يجعل العلاقة حراماً.
  • لكل فرد كرامة مساوية. فلا شريك من الدرجة الثانية، ويُقسم الوقت والرعاية والاهتمام بالعدل الذي تطلبه آية سورة النساء: 129.
  • الوفاء بالوعود. اكتبوا الاتفاقات حيث استطعتم: السكن، والمال، والأولاد، وما يكون إذا أراد أحدكم أن ينصرف.
  • حفظ الصحة والسلامة. فرعاية كل طرف لجسد الآخر من الأمانة.
  • الأولاد أولاً. يُضمن لكل ولد نسبه ونفقته واستقراره.
  • احترام قانون البلد. وحيث لا يعترف القانون المدني إلا بزواج واحد، احموا كل شريك بالوصايا والعقود.

والمسلمون الذين يؤثرون شريكاً واحداً مدى العمر يسلكون السبيل الذي تسلكه أكثر الأسر المسلمة، وهو ما سمّاه القرآن أقرب إلى ألّا يقع ظلم (سورة النساء: 3) (كم زوجة يجوز للمسلم؟).

كلمة في الختام

كل أسرة، أياً كانت صورتها، تقف تحت أمر واحد:

۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ

سورة النحل: 90

جعل الله كل بيت مكاناً يُعرف فيه كل فرد ويُختار، ويُعامل بالعدل والإحسان.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يحرم الزواج بزوجة ثانية سراً؟

نعم. فالزواج المكتوم عن الزوجة القائمة ينقض الثقة التي أنشأها العقد الأول، والعدل الذي يطلبه القرآن (سورة النساء: 129). وكل علاقة متعددة يجب أن تقوم على علم كل من فيها ورضاه الحر.

هل يجوز للمرأة المسلمة أن يكون لها أكثر من زوج؟

أباحت المذاهب الفقهية التعدد للرجال وحدهم، وأكثر ما عللوا به حفظ نسب الولد. ولأن القرآن يسوّي بين المرأة والرجل في المنزلة الأخلاقية، فالقول الأرجح أن الحرية نفسها والشروط نفسها تثبت للمرأة، مع حفظ حق كل ولد في أن يعرف والديه.

ما رأي الشيعة؟

يجيز الفقه الجعفري زواج المتعة إلى جانب الزواج الدائم، وهو عقد إلى أجل معلوم بمهر. وهذا يدل على أن التراث عرف منذ القدم أكثر من صورة واحدة للعلاقة المشروعة.

ماذا لو كان تعدد الزوجات ممنوعاً في البلد الذي أعيش فيه؟

يفي المسلمون بالعقود المشروعة للبلد الذي يعيشون فيه. وحيث لا يعترف القانون المدني إلا بزواج واحد، يستطيع الشركاء أن يحمي بعضهم بعضاً بالوصايا والعقود والأمانة التي يحفظونها.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. محمد عبده ورشيد رضا، «تفسير المنار» (تفسير سورة النساء: 3 و129)
  2. صحيح البخاري 5136، 5230، 4615، 5115
  3. كيشا علي (Kecia Ali)، Sexual Ethics and Islam: Feminist Reflections on Qur'an, Hadith, and Jurisprudence (Oneworld، 2006؛ طبعة موسعة 2016)
  4. ابن قدامة، «المغني» (في الشروط في عقد النكاح)
  5. أمينة ودود، Qur'an and Woman: Rereading the Sacred Text from a Woman's Perspective (مطبعة جامعة أكسفورد، 1999)

الصورة: Ayyoubsabawiki, Morning light in the Nasir al-Mulk Mosque, Shiraz, 2015. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور