هل الكذب حرام؟ وما حكم الكذبة البيضاء؟

سؤال رقم 1171

السؤال

هل الكذب حرام في الإسلام، وهل تجوز الكذبة البيضاء، أو الكذب لمراعاة مشاعر الآخرين، أو الكذب لحماية أحد؟

ملخص الجواب

الكذب حرام، والصدق من أعلى فضائل المؤمن، فهو يهدي إلى البر وإلى الجنة (صحيح البخاري 6094). وقد رخّص النبي ﷺ في قول خلاف الحق في ثلاثة مواضع: الإصلاح بين الناس، والحرب، والكلام الطيب بين الزوجين. وزاد الغزالي أن الكذب يصير مباحاً، بل واجباً، إذا كان السبيل الوحيد إلى مقصد محمود لازم كإنقاذ نفس. وأكثر الحاجات الأخرى تكفي فيها اللباقة والمعاريض اللطيفة.

الجواب

الحمد لله

A sandstone wall carved with blocky square Kufic letters, a maze-like grid of right angles framed by a pointed arch.

الكذب حرام في الإسلام، والصدق من أرفع الفضائل التي يتحلّى بها المؤمن. فقد عُرف الخليفة الأول أبو بكر بلقب «الصدّيق»، أي الذي يصدّق بالحق. وكان النبي ﷺ مع ذلك معلّم رحمة، فسمّى مواضع قليلة يجوز فيها قول خلاف الواقع رفقاً أو حمايةً. ويقدّم التراث كذلك وسيلة ألطف للحياة اليومية: أن تقول الحق بلباقة، أو أن تختار من المعاريض ما لا يجرح أحداً ولا يخدع أحداً.

ماذا يقول القرآن عن الكذب؟

يأمر القرآن المؤمنين أن يكونوا مع أهل الصدق:

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ

سورة التوبة: 119

ويأمرهم كذلك فيقول: ﴿وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا﴾ (سورة الأحزاب: 70). وقد بيّن النبي ﷺ إلى أين يقود كل طريق:

«إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا»

صحيح البخاري 6094

ويحذّر الحديث نفسه من أن الكذب يهدي إلى الفجور وإلى النار. وعدّ النبي ﷺ الكذب في الحديث من آيات النفاق الثلاث، مع إخلاف الوعد وخيانة الأمانة: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (صحيح البخاري 33). والغش في التجارة أو الامتحانات أو الطلبات الرسمية ضرب من الخداع نفسه، فقد قال ﷺ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» (صحيح مسلم 102).

هل الكذبة البيضاء حرام؟ المواضع الثلاثة المرخّص فيها

فتح النبي ﷺ نفسه باباً من الرحمة. فقد سمعته أم كلثوم بنت عقبة يقول:

«لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا»

صحيح مسلم 2605

وأضاف الراوي ابن شهاب الزهري أنه لم يسمع بالرخصة في شيء مما يقوله الناس كذباً إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. وفي رواية أخرى جاءت المواضع الثلاثة من لفظ النبي ﷺ نفسه: «لاَ يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ وَالْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ» (جامع الترمذي 1939، وصححه الألباني).

وكل موضع منها يخدم المحبة والحياة. فالصديق الذي يخبر أخوين متخاصمين أن كلاً منهما ما زال يذكر الآخر بخير يداوي جرحاً. وبين الزوجين، كما بيّن الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم، تشمل الرخصة كلمات المودة والطمأنة، أما استعمال الكذب لمنع أحد الزوجين حقه أو لأخذ ما هو له فحرام بالإجماع. وفي الحرب قال النبي ﷺ: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» (صحيح البخاري 3030)، والمراد الحيلة مع العدو في القتال.

هل يجوز الكذب لحماية أحد؟

قرّر الإمام الغزالي (ت 1111م) الأصل في ذلك في «إحياء علوم الدين»، ونقله النووي مقرّاً له في «الأذكار». فـ«الكلام وسيلة إلى المقاصد»، فإذا أمكن بلوغ المقصد المحمود بالصدق حرم الكذب فيه، وإذا لم يمكن بلوغه إلا بالكذب جاز الكذب إن كان المقصد مباحاً، ووجب إن كان المقصد واجباً. ومثاله المشهور حماية إنسان ممن يطلب قتله: فلك، بل عليك، أن تمتنع عن الدلالة على مكانه.

ويحكي حديث أن إبراهيم عليه السلام، حين مرّ بأرض جبّار من الجبابرة، قال عن زوجته سارة إنها أخته ليحميها (صحيح البخاري 3358). وقد فسّر العلماء كلامه بأنه من المعاريض: فهي أخته في الدين.

وما حكم اللباقة اليومية والكذبات الصغيرة؟

أكثر الحياة اليومية لا يحتاج إلى قول خلاف الحق ولا إلى الفظاظة. وقد قال الصحابي عمران بن حصين: «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ» (الأدب المفرد 859). فإذا أراك صديق طعاماً أو لوحة لا تعجبك، فهناك في الغالب شيء صادق ولطيف يمكن أن يقال عن العناية التي بُذلت فيها.

والكذبات الصغيرة على الأطفال تُحسب أيضاً. فقد نادت امرأة ابنها تعده بشيء، فسألها النبي ﷺ ماذا أرادت أن تعطيه، فقالت: تمراً، فقال: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ» (سنن أبي داود 4991، وحسّنه الألباني). وكان النبي ﷺ كثير المزاح، وقال إنه لا يقول في مزاحه إلا حقاً (جامع الترمذي 1990).

والتمثيل في فيلم أو قراءة قصة على الناس لا يخدع أحداً، لأن الجميع يعلم أنها خيال (هل يجوز للمسلم أن يعمل ممثلاً؟بالإنجليزية). والكذب من آفات اللسان التي تتناولها أجوبة هل السبّ والشتم حرام؟بالإنجليزية وما هي الغيبة ولماذا هي ذنب؟بالإنجليزية

هل التقية كذب؟

يعذر القرآن ﴿مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ﴾ (سورة النحل: 106)، وقد ذكر المفسرون أنها نزلت في عمار بن ياسر، الذي نطق بكلمة الكفر تحت التعذيب. ومن هذا استنبط الفقهاء التقية: إخفاء الإيمان عند تهديد النفس. وهي أشهر ما تكون في الفقه الشيعي، الذي تشكّل عبر قرون من الاضطهاد، ويقبل فقهاء السنة الأصل نفسه في حال الإكراه. وموضوعها الخطر على النفس، وعلماء الشيعة والسنة جميعاً يحرّمون الكذب العادي (ما الفرق بين السنة والشيعة؟).

دعاء لصدق القول

إن كنت قد قلت كذباً تندم عليه، فالباب مفتوح: صحّح ما تستطيع، واطلب العفو ممن آذيته، وتب إلى الله (هل يغفر الله جميع الذنوب؟). ويقدّم القرآن دعاءً لحياة تُعاش بالصدق:

رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ

سورة الإسراء: 80

اللهم اجعل الصدق سهلاً على ألسنتنا، والرفق سهلاً في صدقنا.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل الكذب من الكبائر؟

الاعتياد على الكذب أمر عظيم، وقد حذّر النبي ﷺ من قول الزور وعدّه من أكبر الكبائر (صحيح البخاري 2654). أما الكذبة الواحدة التي يندم عليها صاحبها فتمحوها التوبة، وتصحيح الأمر إن كان أحد قد تضرر.

هل يحرم الكذب على الوالدين؟

الصدق من برّ الوالدين. فإن كان الصدق يعرّض الشاب أو الفتاة للعنف أو لضرر جسيم، دخلت المسألة في أصل حفظ النفس، ولك أن تكتم ما هو من شأنك أنت، مقدّماً السكوت أو المعاريض على الكذب الصريح.

هل يحرم الكذب على سبيل المزاح؟

كان النبي ﷺ يمزح، وأخبر أنه لا يقول في مزاحه إلا حقاً (جامع الترمذي 1990). وحذّر من الكذب لإضحاك الناس (سنن أبي داود 4990)، فالمقالب التي تخدع الناس وتحرجهم الأولى تركها.

هل التقية كذب؟

التقية إخفاء الإيمان عند تهديد النفس، وقد أباحها القرآن (سورة النحل: 106) وأقرّها فقهاء السنة والشيعة معاً. وهي خاصة بحال الاضطهاد والخطر، وعلماء الشيعة يحرّمون الكذب العادي كما يحرّمه علماء السنة.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح مسلم 2605؛ جامع الترمذي 1939 (المواضع الثلاثة المرخّص فيها)
  2. صحيح البخاري 6094، 3358
  3. الغزالي، «إحياء علوم الدين»، كتاب آفات اللسان (في ما يباح من الكذب)
  4. النووي، «الأذكار» (باب الكذب، نقلاً عن الغزالي)
  5. البخاري، «الأدب المفرد» 859 (عمران بن حصين في المعاريض)

الصورة: Dosseman, Square Kufic carving at the Great Mosque of Mardin, 2025. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور