ماذا يقول الإسلام عن القتل بدافع الشرف؟
سؤال رقم 1254
السؤال
هل يبيح الإسلام قتل أحد أفراد الأسرة، وهو امرأة في الغالب، لاستعادة شرف العائلة، وماذا تقول الشريعة فيما يسمى جرائم الشرف؟
ملخص الجواب
القتل بدافع الشرف حرام، فهو قتل نفس، ومن أعظم الذنوب في الإسلام. فالقرآن يجعل قتل نفس بريئة واحدة كقتل الناس جميعاً (سورة المائدة: 32)، ويذمّ وأد البنات خشية العار في الجاهلية (سورة النحل: 58-59؛ سورة التكوير: 8-9)، ويصون عرض المرأة بعقاب من يقذفها (سورة النور: 4). ولما سأل أحد الصحابة: أيقتل الرجل من يجده مع امرأته؟ قال النبي ﷺ: لا.
الجواب
الحمد لله

إن كنت أنت أو أحد تعرفه في خطر، فاتصل الآن برقم الطوارئ المحلي (911 في الولايات المتحدة، و999 في المملكة المتحدة). وفي الولايات المتحدة رقم الخط الوطني الساخن للعنف الأسري هو 1-800-799-7233.
تحصد ما تسمى جرائم الشرف آلاف الأرواح كل عام، وأكثر الضحايا نساء وفتيات، يقتلهن أب أو أخ أو زوج يظن أن اسم أسرته قد لُطّخ. ويتستر بعض القتلة بالدين، والقرآن والسنة لا يتركان لهذا الادعاء موضعاً. فالقتل بدافع الشرف حرام، وهو قتل نفس، من أعظم الذنوب التي يمكن أن يرتكبها إنسان، وقد جاء الإسلام ليقضي على عادة قتل البنات حفاظاً على كبرياء العائلة.
هل يجيز الإسلام القتل بدافع الشرف؟
لا. فالقرآن يقرر حرمة كل نفس بشرية بكلمات موجّهة إلى الناس جميعاً:
مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا
ويأمر القرآن فيقول: ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾ (سورة الإسراء: 33). فالبنت التي اختارت زوجها، والأخت التي رفضت زواجاً، والابن المثلي، والزوجة التي يُظن بها السوء: لا شيء من ذلك ينزع الحرمة التي جعلها الله لأرواحهم. وليس في آية ولا في حديث صحيح ما يعطي أسرة حق قتل أحد أفرادها.
ماذا قال النبي ﷺ في غضب الزوج؟
عُرضت المسألة على النبي ﷺ مباشرة. فقد سأله سعد بن عبادة، سيد الأنصار، عن الرجل يجد مع امرأته رجلاً:
«أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ» … «لاَ»
وفي رواية أخرى سأل سعد: أيُمهله حتى يأتي بأربعة شهداء؟ فقال النبي ﷺ: «نَعَمْ» (صحيح مسلم 1498). فحتى في أشد لحظات الاستفزاز تُكفّ يد الفرد.
وقد شرع القرآن كذلك حكماً للزوج الذي يتهم زوجته وليس له شهود: يشهد أربع شهادات بالله وخامسة، ولها أن تدرأ عن نفسها بشهادات مثلها، ثم يُفرَّق بينهما (سورة النور: 6-9). وهذا الإجراء، المسمى اللعان، ينهي الزواج، ولا تُراق فيه قطرة دم.
كيف يصون القرآن عرض المرأة؟
يصون القرآن العرض بصيانة النساء من الاتهام. فمن رمى امرأة عفيفة بالزنا ثم لم يأت بأربعة شهداء عوقب، ولم تُقبل له شهادة أبداً:
وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ
فالظالم في القرآن هو من يلطّخ اسم المرأة. والقيل والقال والإشاعة وسوء الظن، وهي الشرارات المعتادة لعنف الشرف، هي نفسها الذنب. والعقوبة، حيث تقررها الشريعة، من شأن القضاء بالبيّنة الصارمة، ولا شأن للأسرة بها أبداً، والعقوبات المقررة قديماً ليست مما يُطبّق اليوم على كل حال (ما هي الحدود في الإسلام؟ وهل يقطع الإسلام الأيدي حقاً؟).
هل أنهى الإسلام قتل البنات؟
كان بعض العرب قبل الإسلام يئدون بناتهم المولودات أحياءً خشية العار. ويصف القرآن هذا الأب حين يُبشَّر بالأنثى: يظل وجهه مسودّاً وهو كظيم، ويتوارى من الناس من سوء ما بُشّر به متسائلاً: ﴿أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ﴾ (سورة النحل: 58-59). ويخبر أن البنت الموءودة نفسها ستُسأل يوم القيامة:
وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ ﴿٨﴾ بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ ﴿٩﴾
فالقتل بدافع الشرف هو منطق العار الجاهلي نفسه، والقرآن يجعل للضحية الكلمة يوم القيامة.
والسنة كذلك تعطي المرأة القرارات التي يحاول عنف الشرف أن ينتزعها منها. فحين زوّج خنساءَ بنت خذام أبوها رجلاً كرهته، ردّ النبي ﷺ نكاحه (صحيح البخاري 5138؛ وانظر هل يجوز الزواج بالإكراه في الإسلام؟). وقال ﷺ: «وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا» (جامع الترمذي 1162، حسن صحيح).
لماذا لا تزال جرائم الشرف تقع؟
جرائم الشرف وليدة العادات. وقد قرر مجلس أوروبا سنة 2003 أن هذه الجرائم «تنبع من جذور ثقافية لا دينية»، وهي تقع في ثقافات وأديان مختلفة، في أسر هندوسية وسيخية كما في أسر مسلمة. ويدينها كثير من العلماء والهيئات الإسلامية بوصفها عادة ثقافية غريبة عن الإسلام، ومنهم الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية السابق. وبعد أن خنق أخٌ أختَه عارضة الأزياء قنديل بلوش سنة 2016، أقرّ برلمان باكستان قانوناً يوجب سجن قاتل الشرف ولو عفا عنه أقاربه.
والآباء والأمهات الذين يشعرون بالخوف أو الحرج من اختيارات أولادهم لهم طريق تباركه السنة: الصبر، والحوار، والمشورة، وقبل كل شيء صلة الرحم. فزواج الولد، أو دينه، أو ميوله، لا يبيح أبداً العنف ولا القطيعة (هل يجوز التبرؤ من الابن أو البنت بسبب المثلية؟؛ ماذا يفعل المسلم إذا تعرّض للعنف الأسري؟).
الشرف في ميزان الله
يبيّن القرآن أين يكون الشرف الحق: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ﴾ (سورة الحجرات: 13). وشرف الأسرة يُحفظ بالرحمة والعدل وحماية الضعيف. حفظ الله كل بنت وأخت وزوجة وابن يعيش في خوف، وألان قلب كل أسرة على أهلها.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل القتل بدافع الشرف مذكور في القرآن؟
لا. فليس في القرآن إذن لأسرة أن تقتل أحد أفرادها. بل هو يذمّ العرب الذين كانوا يئدون بناتهم خشية العار (سورة النحل: 58-59)، وينهى عن قتل النفس التي حرّم الله (سورة الإسراء: 33).
هل يجوز للأب أن يقتل ابنته لأنها تزوجت بغير إذنه؟
لا. فهذا قتل نفس. وقد ردّ النبي ﷺ زواجاً فرضه أب على ابنته وهي كارهة، واختيار الزوج حق للمرأة نفسها.
هل تستطيع الأسرة أن تعفو عن جريمة الشرف؟
لا تملك الأسرة أن تُسقط إثم القتل عند الله بالعفو، وكثير من الدول اليوم ترفض أن يعفو الأقارب عن هؤلاء القتلة. فبعد مقتل قنديل بلوش سنة 2016 عدّلت باكستان قانونها، فصار قاتل الشرف يُسجن ولو عفت عنه الأسرة.
ماذا أفعل إذا هددتني أسرتي؟
خذ التهديد بجدية. اتصل برقم الطوارئ المحلي، وأخبر معلماً أو طبيباً أو إماماً تثق به، وتواصل مع جهة تُعنى بالعنف الأسري. وفي الولايات المتحدة يمكنك الاتصال بالخط الوطني الساخن للعنف الأسري على الرقم 1-800-799-7233.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح مسلم 1498؛ صحيح البخاري 5138؛ جامع الترمذي 1162
- مجلس أوروبا، الجمعية البرلمانية، القرار 1327 (2003): ما يسمى «جرائم الشرف»
- القتل بدافع الشرف (عرض عام وإحصاءات ومواقف دينية)
- الخط الوطني الساخن للعنف الأسري (الولايات المتحدة)
الصورة: Vyacheslav Argenberg, Courtyard of the Umayyad Mosque, Damascus, 2008. CC BY 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور