هل يرث المسلم من والده أو والدته غير المسلمين؟
سؤال رقم 1143
السؤال
إذا مات أبي أو أمي وهما على المسيحية أو الهندوسية أو على غير دين، فهل يجوز لي بوصفي مسلماً أن أرثهما وأقبل ما تركاه لي؟
ملخص الجواب
يجوز للمسلم أن يرث من والده غير المسلم ويقبل ما يتركه له. فقد حمل جمهور الفقهاء حديث «لا يرث المسلم الكافر» (صحيح البخاري 6764) على منع التوارث بين أهل الأديان، غير أن معاذ بن جبل ومعاوية قضيا بأن المسلم يرث غير المسلم، وهو مذهب الفقه الجعفري. وتُقبل الوصية والهبة بين المسلم وغير المسلم في كل المذاهب، ووصية الوالد هدية تُتلقّى بالشكر.
الجواب
الحمد لله

كثير من المسلمين، ولا سيما الذين اعتنقوا الإسلام، آباؤهم وأمهاتهم على دين آخر أو على غير دين. فإذا مات الأب أو الأم أعقب الحزنَ سؤالٌ عملي: هل يجوز للمسلم أن يقبل ما تركه والده؟ والقول الأرجح أن المسلم يرث من والده غير المسلم، ويقبل كل ما يتركه له بالوصية أو الهبة. وبهذا قضى الصحابي معاذ بن جبل والخليفة معاوية، وهو مذهب الفقه الجعفري، وقد اتفقت المذاهب كلها على صحة الوصية بين أهل الأديان المختلفة.
ماذا يقول الحديث عن التوارث بين أهل الأديان؟
روى الصحابي أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: «لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (صحيح البخاري 6764). وفي رواية أخرى: «لاَ يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» (سنن أبي داود 2911، وقال الألباني: حسن صحيح). وقد أخذت المذاهب السنية الأربعة بهذه الأحاديث على أوسع معانيها، فقالت إن الإرث لا يجري بين المسلمين وغير المسلمين في أي من الاتجاهين.
وقد قال النبي ﷺ هذه الكلمات زمن فتح مكة، بعد سنين قاتل فيها المؤمنون ذوي قرابتهم (صحيح البخاري 4283). فقد فرّقت خطوط القتال بين أفراد الأسرة الواحدة، وكان الميراث في جزيرة العرب يتبع الولاء والتناصر. فحفظ هذا الحكم أموال كل جماعة في زمن الحرب.
من قال إن المسلم يرث غير المسلم؟
جيء إلى معاذ بن جبل رضي الله عنه، وقد بعثه النبي ﷺ إلى اليمن معلماً وقاضياً، بتركة رجل يهودي وارثُه مسلم. فأعطى معاذ التركة للوارث المسلم، واحتج بقول النبي ﷺ: «الإِسْلاَمُ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ» (سنن أبي داود 2912 و2913). وإسناد هذه الرواية ضعيف، غير أن الفقهاء يحفظون هذا القضاء عن معاذ نفسه. وقضى بمثله معاوية في خلافته، ويُروى هذا القول عن كبار التابعين سعيد بن المسيب ومسروق، كما ذكر ابن قدامة (ت 620هـ/1223م) في «المغني». ودافع عنه ابن القيم (ت 751هـ/1350م) في «أحكام أهل الذمة».
وكان مأخذهم أن الإسلام يفتح لأتباعه أبواب الخير ولا يغلقها. فالدين الذي أباح للمسلم أن يتزوج المرأة المسيحية، وأن يأكل من طعام أهل الكتاب، لا يُقصي المسلم عن تركة والده. وعلى هذا الفهم يكون الحديث في إرث غير المسلم من المسلم، وفي التوارث بين قوم متحاربين.
ويأخذ الفقه الجعفري (الشيعي) بهذا القول صراحة: فالمسلم يرث قريبه غير المسلم، وغير المسلم لا يرث المسلم.
هل يجوز للوالد غير المسلم أن يوصي لولده المسلم؟
نعم، وهنا تتفق المذاهب. فالوصية بين المسلم وغير المسلم صحيحة في كل مذهب، وكذلك الهبة في الحياة. وقد أمر القرآن المؤمنين بالوصية للوالدين والأقربين:
كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ
وبعد نزول آيات المواريث ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الوصية للأقارب الذين لا يرثون نصيباً مفروضاً تبقى مستحبة، وذهب بعض المتقدمين إلى وجوبها. وأفراد الأسرة من أهل الأديان الأخرى أول مثال لهؤلاء الأقارب. فحتى على قول الجمهور يجوز للولد المسلم أن يقبل ما يوصي له به والده غير المسلم. وفي أكثر البلاد الغربية تنتقل التركة بحكم القانون المدني أو بوصية الوالد، وللوارث المسلم أن يقبلها مطمئن الضمير.
هل يجوز للمسلم أن يوصي لأهله من غير المسلمين؟
نعم. فللمسلم أن يوصي بما يصل إلى ثلث تركته لمن شاء من غير الورثة أصحاب الفروض. فحين سأل سعد بن أبي وقاص كم يوصي من ماله، قال له النبي ﷺ: «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (صحيح البخاري 2742). والمسلم الذي له والدان أو زوج أو إخوة من غير المسلمين يستطيع أن يكفيهم من هذا الثلث. وأما الأنصبة المفروضة بين الورثة المسلمين فمبيّنة في جواب لماذا ترث المرأة نصف الرجل في الإسلام؟
كيف يكرم المسلم والده غير المسلم عند موته؟
يأمر القرآن الولد الذي لا يشاركه والداه دينه أن يبقى قريباً منهما بالمعروف:
وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗا
ولما قدمت على أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أمُّها، وهي يومئذ مشركة، قال لها النبي ﷺ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ» (صحيح البخاري 2620). وهذه الصلة تبقى عند موت الوالد:
- احضر الجنازة، وقف مع أهلك في حزنهم (هل يجوز للمسلم حضور جنازة أو عرس مسيحي؟بالإنجليزية). ويحضر كثير من المسلمين كذلك حرق جثمان والدهم (هل حرق جثث الموتى حرام في الإسلام؟).
- نفّذ الوصية بأمانة، واقضِ دين والدك.
- اقتسم التركة مع إخوتك بالعدل وفق الوصية والقانون، وتسامح حيث يحفظ ذلك الوئام.
- ادعُ لوالدك وتصدّق عنه. فرحمة الله واسعة (هل يجوز الدعاء لغير المسلم حياً أو ميتاً؟).
كلمة في الختام
ما يتركه الوالد هو آخر هدية من عمر كامل من الرعاية. فتلقَّها بالشكر، وأحسن استعمالها، واجعلها تحمل ذكراه إلى أعمال البر. رحم الله كل أب وأم ربّيا ولداً بالحب، وجمع الأسر من جديد في رحمته.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يرث المسلم الجديد من والديه المسيحيين؟
نعم على القول الأرجح. فللمسلم الجديد أن يقبل ما يتركه له والداه بحكم القانون أو بالوصية أو بالهبة، وأن يحفظ صلة المودة مع أهله كما أمر القرآن (سورة لقمان: 15).
ماذا يقول المذهب الشيعي؟
يرى الفقه الجعفري أن المسلم يرث قريبه غير المسلم، وأن غير المسلم لا يرث المسلم. وهو أوضح المذاهب في هذه المسألة.
هل يرث غير المسلم من المسلم؟
ذهبت المذاهب إلى أن القريب غير المسلم لا يأخذ نصيباً مفروضاً. غير أن للمسلم أن يوصي بما يصل إلى ثلث تركته لمن شاء، ومنهم الوالدان أو الزوج أو الإخوة من غير المسلمين، وهذا ما يفعله كثير من المسلمين في الأسر المختلطة.
هل تجب الزكاة فيما أرثه؟
المال الموروث يصير ملكاً لك، فتجب فيه الزكاة كسائر مدخراتك إذا بلغ النصاب وحال عليه حول قمري.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 6764 وسنن أبي داود 2911-2913 (التوارث بين أهل الأديان)
- ابن قدامة، «المغني»، كتاب الفرائض
- ابن القيم، «أحكام أهل الذمة»
- صحيح البخاري 2742 (الوصية بالثلث)
- صحيح البخاري 2620 (أسماء وأمها)
الصورة: Bernard Gagnon, Interior of the Tabatabaei House, Kashan, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور