هل يجوز الدعاء لغير المسلم حياً أو ميتاً؟
سؤال رقم 1204
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يدعو لصديق أو قريب غير مسلم، وأن يسأل الله أن يغفر له ويرحمه بعد موته؟
ملخص الجواب
الدعاء لغير المسلمين جائز ومحبوب. فقد دعا النبي ﷺ بالهداية لقبيلة ردّت دعوته، وحدّث عن نبي استغفر لقومه الذين أدموه. أما الأموات فقد منع كثير من العلماء المتقدمين الاستغفار لهم أخذاً بآية من سورة التوبة (سورة التوبة: 113). والقول الأرجح أن الآية فيمن بيّن الله مصيره بالوحي، فيبقى للمسلم أن يسأل الله الرحمة لكل أحد، كما دعا إبراهيم عليه السلام لأبيه.
الجواب
الحمد لله

أمٌّ مسيحية في المستشفى، وجنازة صديق هندوسي، وزميل يهودي جاءه خبر مرض عضال، وجدٌّ ملحد فارق الحياة للتو: يعيش المسلمون بين أناس يحبونهم ولا يشاركونهم دينهم، فيشتاقون إلى الدعاء لهم. فهل يجوز للمسلم أن يدعو لغير المسلم؟ نعم، أما للأحياء فبلا ريب، وأما لمن ماتوا فكذلك على القول الأرجح. فقد دعا النبي ﷺ لقوم ردّوا دعوته، ودعا الأنبياء من قبله لمن ظلموهم، ورحمة الله كما يقول القرآن: ﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ﴾ (سورة الأعراف: 156).
هل يجوز الدعاء لغير المسلمين الأحياء؟
نعم. فقد قدم الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه على النبي ﷺ فأخبره أن قومه أبوا الإسلام، وسأله أن يدعو عليهم، فقال من حضر: «هَلَكَتْ دَوْسٌ». فدعا لهم النبي ﷺ بدل أن يدعو عليهم:
«اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ»
وقيل له مرة: ادعُ على المشركين، فقال: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» (صحيح مسلم 2599). وحدّث أصحابه عن نبي من الأنبياء السابقين ضربه قومه حتى أدموه، فكان يمسح الدم عن وجهه ويقول:
«اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ»
فللمسلم أن يسأل الله الشفاء لجاره غير المسلم، والهداية لصديقه، والبركة لأسرة زميله، والحفظ للغريب، والمغفرة لمن آذاه. والصداقة بين أهل الأديان من السنة أصلاً (هل يجوز للمسلم مصادقة غير المسلمين؟).
ماذا يقول القرآن في الدعاء لغير المسلمين بعد موتهم؟
تدور المسألة على آية واحدة من سورة التوبة، وهي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ﴾ (سورة التوبة: 113).
وقد فهم كثير من العلماء المتقدمين منها المنع من كل استغفار لغير المسلم بعد موته. وهو قول معتبر، تعلّمه كثير من المسلمين. والقول الأرجح مبنيّ على لفظ الآية وسياقها.
فالآية تنهى عن الاستغفار ﴿مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ﴾ أن الإنسان من أهل النار (سورة التوبة: 113). وهذا التبيّن علمٌ بمصير النفس الأخير، ولا يملكه إلا الله. وقد أُوحي إلى النبي ﷺ بذلك في أناس بأعيانهم من أهل زمانه، ولا يعلمه مسلم اليوم عن أمٍّ أو جار أو صديق. ثم إن سورة التوبة نزلت في مشركي جزيرة العرب الذين كانوا يحاربون المؤمنين وينقضون عهودهم، وهو سياق تفصّله السورة تفصيلاً.
وتبيّن الآية التالية أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه حتى تبيّن له ذلك، ثم تُختم بالثناء على رقة قلبه: ﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّـٰهٌ حَلِيمٞ﴾ (سورة التوبة: 114). وقد حفظ القرآن دعاءه بلفظه:
قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا
كيف دعا الأنبياء والملائكة لغيرهم؟
يحكي القرآن قول عيسى عليه السلام يوم القيامة فيمن ضلّوا من بعده:
إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ
وروى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قام ليلة كاملة يردد هذه الآية وحدها حتى أصبح (سنن ابن ماجه 1350، وحسّنه الألباني). والملائكة، كما يخبر القرآن، يستغفرون لكل من في الأرض:
وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ
وقد ذهب كبار المتكلمين في تراثنا إلى أن رحمة الله تبلغ أبعد بكثير من حدود جماعة المسلمين. فقرّر الغزالي (ت 505هـ/1111م) في «فيصل التفرقة» أن من لم تبلغه الدعوة على وجهها الصحيح معذور، وتفصيل المسألة في جوابَي هل يدخل غير المسلمين النار؟ وهل النار أبدية في الإسلام؟
فالقول الصحيح إذن أن للمسلم أن يسأل الله الرحمة لغير المسلم إذا مات، وأن يغفر له، وأن ييسّر عليه، وأن يصبّر من يبكونه، ثم يكل الأمر الأخير إلى الله، كما فعل عيسى عليه السلام.
كيف أدعو لغير المسلم إذا مات؟
- بكلماتك أنت: «اللهم ارحمها، واغفر لها، والطف بها، وصبّر أولادها».
- مع أهله: «قوّاكم الله»، أو «لترقد بسلام»، أو «رحمه الله».
- في الجنازة: قام النبي ﷺ لجنازة رجل يهودي وقال: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» (صحيح البخاري 1312). وحضور الجنازة إكراماً للميت من حسن الخلق (هل يجوز للمسلم حضور جنازة مسيحي أو حفل زفافه؟بالإنجليزية).
- في السنين التالية: اذكره في دعائك، وتصدّق عنه، وصِلْ أصدقاءه وأهله.
دعاء في الختام
دعا إبراهيم خليل الله لمن اتبعه ولمن خالفه في نَفَس واحد:
فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
فادعُ لمن تحب بأسمائهم، فالذي يسمع دعاءك يحبهم أكثر مما تحبهم أنت.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يجوز أن يقول المسلم «ارقد بسلام» عن غير المسلم؟
نعم. فتمنّي السلام والرحمة لمن مات دعاءٌ طيب جائز. وللمسلم أن يقول كذلك: «رحمه الله»، أو «صبّر الله أهله وجبر قلوبهم».
هل يجوز أن أدعو لوالديّ غير المسلمَين؟
نعم. ادعُ لهما بالعافية والسعادة والهداية، وبمغفرة الله ورحمته. فالقرآن يأمر بالإحسان إلى الوالدين أياً كان دينهما (سورة لقمان: 15)، والدعاء من أعظم الإحسان.
هل يجوز للمسلم حضور جنازة غير المسلم؟
نعم. فقد قام النبي ﷺ حين مرّت به جنازة يهودي، وقال: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» (صحيح البخاري 1312). وحضور الجنازة إكراماً للميت وتعزيةً لأهله من حسن الخلق.
هل يُصلّى على غير المسلم صلاة الجنازة؟
صلاة الجنازة المعروفة شعيرة من شعائر جماعة المسلمين، ولأهل الأديان الأخرى شعائرهم في توديع موتاهم. ويستطيع المسلم الذي يحضرها أن يدعو للميت بكلماته هو، في سرّه أو جهراً.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 1312، 2937، 3477؛ صحيح مسلم 2599
- سنن ابن ماجه 1350 (ترديد النبي ﷺ آية المائدة 118 طوال الليل)
- أبو حامد الغزالي، «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»
- محمد حسن خليل (Mohammad Hassan Khalil)، Islam and the Fate of Others: The Salvation Question (مطبعة جامعة أكسفورد، 2012)
الصورة: Florian Prischl, Bell tower and minaret, Saint Catherine's Monastery, Sinai, 2007. CC BY-SA 3.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور