هل يجوز للمسلم أن يردّ الحديث؟
سؤال رقم 1213
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يردّ حديثاً، أو أن يكتفي بالقرآن وحده دون الحديث؟
ملخص الجواب
المسلم الذي يترك حديثاً بعينه لضعف سنده أو لتعارض معناه مع القرآن يفعل ما فعله العلماء منذ البداية: فقد ردّت عائشة روايات خالفت القرآن، وترك أبو حنيفة ومالك أخبار الآحاد لأدلة أقوى. وتبقى السنة في جملتها مصدراً للهداية، لأن القرآن قرن طاعة الرسول ﷺ بطاعة الله (سورة النساء: 80). ومن اكتفى بالقرآن من المسلمين فهو مسلم، وتكفيره حرام.
الجواب
الحمد لله

كثير من المسلمين يقفون على حديث يقلقهم، أو يسمعون أن بعض المسلمين يكتفون بالقرآن وحده، فيتساءلون: هل يعرّض الشكُّ في رواية إيمانَهم للخطر؟ وجواب التراث هادئ مطمئن. فللمسلم أن يترك حديثاً بعينه لأسباب علمية سليمة، كما فعل الصحابة وكبار الأئمة. وتبقى السنة في جملتها، أي هدي النبي ﷺ، مصدراً للهداية إلى جانب القرآن، لأن القرآن نفسه قرن طاعته بطاعة الله:
مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَ
وبين هاتين الحقيقتين متسع رحب للبحث والاختلاف والاحترام.
ما الفرق بين السنة والحديث؟
السنة طريقة النبي ﷺ: كيف كان يصلي ويصوم ويحج، وكيف كان يعامل أهله، ويقضي بين الناس. أما الحديث فرواية مفردة لقول قاله أو فعل فعله، ينقلها سند من الرواة. وقد وصل إلينا كثير من السنة عبر عمل الأمة كلها في كل جيل. فكل مسلم في العالم يصلي الفجر ركعتين لأن الملايين أخذوها عن الملايين، رجوعاً إلى المدينة. أما الروايات المفردة فتتفاوت في قوتها، وقد صنّفها العلماء من الصحيح إلى الموضوع، كما يبيّن جواب هل كل الأحاديث صحيحة؟
فعبارة «ردّ الحديث» قد يُراد بها أمران مختلفان. فترك رواية واحدة بعد النظر فيها اجتهاد علمي، وردّ هدي النبي ﷺ جملةً دعوى أخرى مختلفة.
هل ردّ الصحابة أحاديث؟
نعم، إذا خالفت الرواية القرآن. فقد سأل مسروقٌ، وهو من تلاميذها، أمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: هل رأى النبي ﷺ ربه؟ فقالت إن شعرها قد قفّ مما قال، وأجابت:
«مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ»
ثم قرأت: ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَ﴾ (سورة الأنعام: 103). فقد كانت تزن ما يرويه الناس بكتاب الله. ثم جمع العالم بدر الدين الزركشي (ت 794هـ/1392م) استدراكاتها على غيرها من الصحابة في كتاب كامل.
وسار أئمة الفقه على الطريق نفسه. فأبو حنيفة (ت 150هـ/767م) وأصحابه لم يعملوا بخبر الآحاد إذا خالف القرآن أو أصلاً ثابتاً، وقدّم الإمام مالك (ت 179هـ/795م) عمل أهل المدينة الحي على خبر الواحد إذا خالفه. وعدّد ابن قيم الجوزية (ت 751هـ/1350م) العلامات التي يُعرف بها كذب الرواية من متنها، ومنها مخالفتها لصريح القرآن. ولم يُتّهم أحد من هؤلاء العلماء بالخروج من الإسلام. بل كان حرصهم ضرباً من محبة النبي ﷺ: فقد أبوا أن يُنسب إليه ما لم يقل.
هل فرّق النبي ﷺ بين الوحي ورأيه الشخصي؟
نعم. فقد مرّ بقوم في المدينة يلقّحون نخلهم، فقال إنه لو لم يفعلوا لصلح. فتركوا التلقيح، فخرج التمر رديئاً. فلما أخبروه قال:
«أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ»
واستنبط العلماء من ذلك أن كلام النبي ﷺ في شؤون الزراعة والطب والعادات ليس كله في منزلة الوحي. وحسن قراءة السنة أن يسأل المرء: من أي نوع من الكلام هذه الرواية؟
وماذا عن المسلمين الذين يكتفون بالقرآن؟
في العصر الحديث يقبل بعض المسلمين، ممن يُسمَّون «القرآنيين»، القرآنَ وحده مصدراً ملزماً. وقد يحتجون بتوجيه النبي ﷺ في أول الأمر: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ» (صحيح مسلم 3004). ويجيب أكثر العلماء بأنه أمر عبد الله بن عمرو بعد ذلك بالكتابة، وقال: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ» (سنن أبي داود 3646، وصححه الألباني)، وبأن القرآن يأمر باتباع الرسول ﷺ، وهديه هو التفسير الحي لآياته: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ﴾ (سورة الأحزاب: 21).
وجمهور المسلمين، سنةً وشيعة، يرون السنة مما لا غنى عنه. ويرون كذلك أن القرآني الذي يشهد لله بالوحدانية ولرسوله بالرسالة مسلم. وقد حذّر النبي ﷺ فقال:
«أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا»
فليختلف المسلمون في المنهج، وليصلّوا جنباً إلى جنب.
كيف أتعامل مع حديث يقلقني؟
- تحقّق من درجته ومصدره. فكثير من الأقوال المقلقة ضعيفة أو لا أصل لها.
- اقرأ الرواية كاملة في سياقها. فكثير من الأحاديث جواب عن سؤال شخص بعينه في لحظة بعينها.
- اقرأه في ضوء القرآن. فالقرآن هو الميزان، وهو يصف النبي ﷺ بقوله: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 107). والقراءة التي تجعل كلامه قسوة تستدعي نظراً ثانياً، كما علّمت عائشة.
- اسأل كيف فهمه العلماء. فكثيراً ما تحمل الشروح القراءة الرحيمة التي تبحث عنها. وانظر جواب كم كان عمر عائشة عند زواجها من النبي؟ مثالاً على رواية لا يزال العلماء يتباحثونها.
- أمسك بما انتهيت إليه بتواضع. لك أن تترك رواية دون أن تزدري من يأخذ بها.
وللمزيد عن منزلة هدي النبي ﷺ انظر ما هي السنة؟، وعن قراءة القرآن انظر كيف يُفسَّر القرآن الكريم؟
كلمة في الختام
يذكر القرآن السبب الذي يجعل المسلمين يحرصون كل هذا الحرص على كلام النبي ﷺ، صادقِه ومكذوبِه:
قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
رزقنا الله محبة رسوله ﷺ، والعلم الذي نميّز به كلامه مما قاله غيره باسمه.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل ردّ الحديث الصحيح كفر؟
لا. فترك رواية بعينها بعد النظر، لأن معناها يعارض القرآن أو دليلاً أقوى، من صميم التراث العلمي، وقد فعله أئمة المذاهب. وإنما حذّر العلماء من الاستهزاء بالنبي ﷺ أو ردّ سلطته استخفافاً بها.
هل القرآنيون مسلمون؟
نعم. فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً ﷺ رسول الله فهو مسلم. ويرى أكثر العلماء أن منهجهم خاطئ، وقد نهى النبي ﷺ عن تكفير المسلم أخاه (صحيح البخاري 6104).
كيف أصلي بدون الأحاديث؟
وصلت إلينا هيئة الصلاة عبر العمل الحي للأمة كلها، جيلاً بعد جيل، أكثر مما وصلت عبر أي رواية مكتوبة بعينها. وهذا العمل المتوارث من أسباب تمسك جمهور المسلمين بالسنة وعدّها مما لا غنى عنه.
ما موقف الشيعة من الحديث؟
يرى الشيعة كذلك أن السنة ملزمة، ويتلقونها في الغالب عن طريق أهل البيت والأئمة، في مصنفات مثل «الكافي» للكليني. ولعلماء الشيعة أيضاً منهج في تصنيف الروايات، فهم لا يعدّون كل ما في «الكافي» صحيحاً.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 4855 (عائشة: من حدّثك أنه رأى ربه)
- صحيح مسلم 2363 (أنتم أعلم بأمر دنياكم)
- صحيح مسلم 3004 وسنن أبي داود 3646 (كتابة كلام النبي ﷺ)
- بدر الدين الزركشي، «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة»
- ابن قيم الجوزية، «المنار المنيف في الصحيح والضعيف»
الصورة: Unknown copyist, Manuscript of Sahih al-Bukhari in Maghrebi script, 1097 (Ramadan 490 AH). Library of Mohammed V University, Taroudant, Morocco. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور