هل يجوز للمسلم ممارسة التأمل واليوغا؟
سؤال رقم 1225
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يمارس التأمل واليقظة الذهنية واليوغا، وما حكم ما يُسمّى قانون الجذب؟
ملخص الجواب
التأمل حلال وله جذور عميقة في الإسلام: فالقرآن يثني على المتفكرين في الخلق (سورة آل عمران: 191)، وكان النبي ﷺ يخلو الليالي في غار حراء، وعرفت الروحانية الإسلامية المراقبة والذكر. واليوغا إذا مورست رياضةً وإطالةً وتنفساً فهي حلال، ولا يُترك منها إلا الترديد أو الانحناء الموجّه إلى معبودات أخرى، ويمكن أن يحلّ الذكر محله. وأما الرجاء الإيجابي فمكانه الدعاء والتوكل على الله.
الجواب
الحمد لله

يجد كثير من المسلمين اليوم سكينةً في دروس التأمل، وتطبيقات اليقظة الذهنية، وحصة اليوغا الأسبوعية، ويتساءل بعضهم: هل هذه الممارسات حرام؟ والقول الأرجح أن التأمل حلال، وأن له جذوراً عميقة في الإسلام نفسه، وأن اليوغا إذا مورست رياضةً وإطالةً وتنفساً فهي حلال. والشيء الوحيد الذي يُترك منها هو كل ترديد أو انحناء أو دعاء موجّه إلى معبود غير الله، ويمكن أن يحلّ محله ذكر الله. والمسلم الذي يسكن في صمت ويتنفس على مهل أقرب إلى السنة مما يظن كثيرون.
هل التأمل حرام في الإسلام؟
التأمل حلال. فالقرآن يثني على الذين يتوقفون ليتفكروا في الخلق:
ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ
وقبل نزول الوحي حُبّبت إلى النبي ﷺ الخلوة، كما وصفت ذلك عائشة رضي الله عنها:
«ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ»
ويقول له القرآن: ﴿وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا﴾ (سورة المزمل: 8)، ويقول: ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ﴾ (سورة الأعراف: 205). والاعتكاف في الليالي الأخيرة من رمضان يُبقي هذه السنة حيّة لكل مسلم.
ما هو التأمل الإسلامي؟
عرفت الروحانية الإسلامية ممارسات غنية للانتباه الباطن. وأشهرها المراقبة، وهي نابعة من تعريف النبي ﷺ للإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (صحيح البخاري 50). وقد أفرد الغزالي (ت 505هـ/1111م) كتاباً من «إحياء علوم الدين» للمراقبة والمحاسبة، وعلّمت الطرق الصوفية المراقبة جلوساً في صمت والقلب متوجه إلى الله (ما هو التصوف؟).
والممارسة الكبرى الأخرى هي الذكر، يردده اللسان والقلب معاً:
أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ
وإليك ممارسة يسيرة: بعد صلاة الفجر اجلس مستقبل القبلة، وتنفّس على مهل، وردّد مع كل نَفَس «سبحان الله» أو «الحمد لله» أو اسم «الله». وإذا شردت أفكارك فردّها برفق. فهذا هو التأمل بلغة السنة.
هل اليوغا حرام في الإسلام؟
اختلف العلماء في ذلك. فبعضهم يكره اليوغا لأن أصولها في الممارسة الدينية الهندوسية. والقول الأرجح يفصل بين الرياضة والعبادة. فالإطالة والتوازن والقوة والتنفس البطيء عناية بالجسد، وقد قال النبي ﷺ لصحابي أجهد نفسه في العبادة: «فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (صحيح البخاري 1975). والانتفاع بممارسة نافعة من ثقافة أخرى من السنة كذلك، فقد لبس النبي ﷺ جبة رومية ضيقة الكمّين (جامع الترمذي 1768).
وما يتركه المسلم هو كل ما يُؤدّى عبادةً لمعبود آخر. وقد رسم القرآن هذا الحد عند الشمس نفسها:
لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ
ومعنى ذلك في الواقع ترك التراتيل (المانترا) الموجّهة إلى الآلهة، والتماثيل والقرابين، وكل نية عبادة في وضعية من الوضعيات. وأكثر الحصص في الأندية الرياضية والاستوديوهات رياضةٌ لا عبادة فيها أصلاً. ويستطيع المسلم أن يتنفس في صمت، أو أن يجعل الذكر مكان الترديد، فيستمتع بالتمرين وقلبه مطمئن. واحترام الأديان التي نشأت فيها اليوغا من حسن الأدب (ماذا يقول الإسلام عن الهندوس والبوذيين؟).
هل اليقظة الذهنية حلال؟
اليقظة الذهنية (mindfulness)، وهي الانتباه الهادئ إلى النَّفَس والجسد واللحظة الحاضرة، حلال. ويعلّمها كثير من المعالجين النفسيين لعلاج القلق والاكتئاب والتوتر، والمسلم الذي يستعين بها يأخذ بالأسباب التي جعلها الله (هل يجوز للمسلم أن يذهب إلى معالج نفسي؟). وهي كذلك تدرّب على حضور القلب، أي الخشوع الذي يمدح به القرآن المؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 2). فالذهن المشتت الذي يتعلم أن يسكن مع النَّفَس يستطيع أن يتعلم السكون مع كلمات الفاتحة.
هل قانون الجذب حرام في الإسلام؟
يُقصد بـ«قانون الجذب» أو «التجلّي» (manifesting) في الغالب الاعتقادُ بأنك إذا تصوّرت هدفك بوضوح كافٍ جاءك به الكون. وفي بعض هذا معنى جميل إسلامي، هو الرجاء وحسن الظن. يقول الله تعالى في الحديث القدسي:
«أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي»
أما الذي يعارض التوحيد فهو الاعتقاد بأن أفكارك، أو «كوناً» لا ذات له، يوجِد الأشياء بنفسه (ما هو التوحيد في الإسلام؟). والصورة الإسلامية لذلك هي الدعاء: أن تسمّي رجاءك لله، وتحسن الظن به، وتسعى له، وترضى بإجابته. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡ﴾ (سورة غافر: 60). وانظر جواب كيف أدعو الله؟
على سجادة الصلاة أو على بساط اليوغا، يستطيع القلب أن يتوجه إلى الرب نفسه. فتنفّس، واذكره، واجعل راحتك عبادة.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يحرم ترديد «أوم» في اليوغا؟
ترديد مقطعٍ مقدّس في دين آخر على وجه التعبد الأولى تركه. ويستطيع المسلم أن يتنفس في صمت، أو أن يردد مكانه كلمة من الذكر مثل «الله» أو «سبحان الله».
هل تحية الشمس في اليوغا حرام؟
حرّم القرآن السجود للشمس (سورة فصلت: 37). فإذا أُدّيت حركاتها سلسلةً من تمارين الإطالة بغير نية عبادة فهي رياضة، ومن وجد في نفسه حرجاً فله أن يغيّر اسمها أو يعدّل ترتيبها.
هل اليقظة الذهنية حلال؟
نعم. فالانتباه الهادئ إلى اللحظة الحاضرة والنَّفَس والأفكار أداةٌ نافعة يعلّمها كثير من المعالجين النفسيين، وهي تعين على حضور القلب، أي الخشوع الذي يطلبه الإسلام في الصلاة.
هل قانون الجذب حرام في الإسلام؟
رجاء الخير وحسن الظن بالله من الإيمان. أما الذي يعارض التوحيد فهو الاعتقاد بأن أفكار الإنسان أو «الكون» توجِد الأشياء بنفسها. فاجعل رجاءك دعاءً وسعياً.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 3 (خلوات النبي ﷺ في غار حراء)
- صحيح البخاري 50 (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه)
- صحيح البخاري 1975 (إن لجسدك عليك حقاً)
- صحيح البخاري 7405 (أنا عند ظن عبدي بي)
- الغزالي، «إحياء علوم الدين»، كتاب المراقبة والمحاسبة
الصورة: Muhammad Zaman al-Munajjim al-Asturlabi, Planispheric astrolabe, Mashhad, 1654–1655. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور