هل يجوز للمسلمين الاحتفال بعيد الشكر؟

سؤال رقم 1123

السؤال

هل يجوز للمسلمين الاحتفال بعيد الشكر، ومشاركة طعامه، وتهنئة غيرهم به؟

ملخص الجواب

الاحتفال بعيد الشكر حلال. فهو عطلة وطنية للشكر والأسرة وإطعام الناس، لا شعيرة تعبدية فيه لأي دين، والشكر من أحب الأعمال إلى الله، وقد وعد الشاكرين بالمزيد (سورة إبراهيم: 7). وعلّم النبي ﷺ أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله (سنن أبي داود 4811)، وشارك هو نفسه في يوم شكر كان يهود المدينة يصومونه (صحيح البخاري 2004). فليكن الطعام حلالاً، ولتُذكر قصة هذا العيد بإنصاف.

الجواب

الحمد لله

Marble columns with gilded capitals and arches of glittering mosaic surround the ambulatory of the Dome of the Rock, lit by a hanging chandelier.

في كل نوفمبر تجلس أسر مسلمة في أنحاء الولايات المتحدة مع جيرانها وزملائها وأقاربها من أهل الأديان الأخرى إلى مائدة شكر، ويتساءل كثيرون منهم: أيصحّ لنا ذلك؟ ويطرح مسلمو كندا السؤال نفسه كل أكتوبر. وجواب القرآن والسنة فيه دفء: الاحتفال بعيد الشكر حلال. فهو عطلة وطنية للشكر والأسرة وإطعام الناس، ولا شعيرة تعبدية فيه لأي دين. والشكر نفسه من أحب الأعمال إلى الله، وقد وعد أن يقابله بالمزيد.

هل يجوز للمسلمين الاحتفال بعيد الشكر؟

نعم. فالقرآن يجعل الشكر فضيلة من فضائل الإيمان الكبرى، ويقرن به وعداً:

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡ

سورة إبراهيم: 7

ويقول تعالى: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي﴾ (سورة البقرة: 152). واليوم الذي يخصصه بلد المرء لشكر النعمة على الطعام والأسرة والأمن يومٌ يستطيع المسلمون أن يملؤوه بهذا المعنى نفسه. وقد علّم النبي ﷺ كذلك أن شكر الله لا ينفصل عن شكر الناس:

«لاَ يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ»

سنن أبي داود 4811، وصححه الألباني

فالمائدة التي تشكر فيها الأسرة الوالدين اللذين ربّياها، والأصدقاء الذين وقفوا معها، والجيران الذين أعانوها، عملٌ بهذا الحديث.

هل عيد الشكر عيد ديني؟

يستعيد عيد الشكر وليمة حصاد أُقيمت سنة 1621 وجمعت المستوطنين الإنجليز في بليموث وشعب الوامبانواغ. ثم أعلنه أبراهام لنكولن يوماً وطنياً للشكر سنة 1863، وهو اليوم في الخميس الرابع من نوفمبر في الولايات المتحدة، والاثنين الثاني من أكتوبر في كندا. ولا صلاة مقررة فيه، ولا شعيرة مقدسة، ولا عقيدة. وعاداته وجبة عائلية، وكرة القدم الأمريكية، والمواكب، وحملات جمع الطعام للمحتاجين.

والفقه الإسلامي يتعامل مع مثل هذه العادات بسعة. فقد قرر الفقهاء أن الأصل في الأشياء والعادات الإباحة، ومن القواعد الفقهية الكبرى الخمس قاعدة «العادة محكّمة». فالعادة تبقى مباحة ما لم تقتضِ شيئاً حرّمته الشريعة. وأكل الديك الرومي مع الأسرة وقول «شكراً» لم يحرّمهما نص.

ماذا عن حديث العيدين والتشبه بغير المسلمين؟

يحرّم بعض العلماء عيد الشكر، وقولهم جدير بأن يُعرض بإنصاف. فحين قدم النبي ﷺ المدينة وجد لأهلها يومين يلعبون فيهما ورثوهما عن الجاهلية، فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ» (سنن أبي داود 1134). ويستدلون كذلك بحديث «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (سنن أبي داود 4031).

والقول الأرجح أن هذين الحديثين يصونان العيدين بوصفهما عيدي العبادة عند المسلمين، ويحذّران من تبنّي شعائر دين آخر وهويته الدينية. وعيد الشكر لا هو عيد عبادة ولا هو شعار دين آخر، فمكانه بين العطل الوطنية مع يوم الاستقلال وعيد العمال، ولا يعدّه مسلم عيداً ثالثاً. والنبي ﷺ نفسه يدلّنا على الطريق. فحين قدم المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء شكراً لله على نجاة موسى، قال: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فصامه (صحيح البخاري 2004). فقد شارك في يوم شكر يحييه قوم آخرون، وجعل فيه عبادته هو. وعلى هذا النحو نفسه يجري الحكم في الكريسماس وأعياد الميلاد ورأس السنة الميلاديةبالإنجليزية.

كيف يحتفل المسلمون بعيد الشكر احتفالاً حسناً؟

  • ابدأ باسم الله واختم بحمده. قل «بسم الله» على الطعام، و«الحمد لله» بعده. وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» (صحيح مسلم 2734).
  • قدّم طعاماً حلالاً. فالديك الرومي المذبوح على الطريقة الإسلامية أو الحاصل على شهادة حلال يرضي المذاهب كلها، ويجيز كثير من العلماء ذبائح المسيحيين واليهود (هل يجوز أكل اللحم الكوشر وذبائح أهل الكتاب؟). وأبعد الخمر عن مائدتك.
  • أطعم الجائع. يثني القرآن على الأبرار فيقول: ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا﴾ (سورة الإنسان: 8). وكثير من المساجد تقدّم وجبات عيد الشكر أو تنظّم حملات لجمع الطعام في ذلك الأسبوع.
  • اجمع شمل الأسرة. فجلوس المسلم الجديد إلى مائدة أهله غير المسلمين صلةٌ للرحم، وصورة حية لدفء الإسلام (هل يجوز للمسلم مصادقة غير المسلمين؟).
  • اشكر الناس بأسمائهم. اجعل اليوم فرصة لشكر الوالدين والمعلمين والممرضين والجيران، كما يعلّم الحديث.

كيف يتذكر المسلمون تاريخ عيد الشكر؟

الشكر والعدل متلازمان في الإسلام. فهذا العيد يذكّر كثيراً من السكان الأصليين في أمريكا بما فقدوه من أرض وأرواح وأمم بعد وصول المستوطنين، ومنذ سنة 1970 يجتمع بعضهم في بليموث كل عيد شكر فيما يسمونه «يوم الحداد الوطني». والقرآن يأمر المؤمنين: ﴿كُونُواْ قَوَّـٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ﴾ (سورة النساء: 135)، ويذكّرهم بأن الله جعل الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا (سورة الحجرات: 13). فللمسلمين أن يشكروا الله على نعمه، وأن يتعلموا مع ذلك تاريخ الأرض التي يعيشون عليها، ويكرّموا شعوبها الأولى، ويساندوها اليوم.

دعاء في الختام

لما سمع نبي الله سليمان عليه السلام النملة تتكلم، ورأى ما أنعم الله به عليه، دعا:

رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ

سورة النمل: 19

جعل الله مائدتك عامرة، وأسرتك مجتمعة، وقلبك شاكراً، في هذا اليوم وفي كل يوم.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يجوز للمسلم أن يهنّئ بعيد الشكر؟

نعم. فالقرآن يأمر المؤمنين أن يردّوا التحية بأحسن منها أو بمثلها (سورة النساء: 86)، وتهنئة الجيران والزملاء بعيد الشكر لطفٌ لا يكلّف شيئاً ويكسب المودة.

هل يجوز أكل الديك الرومي في عيد الشكر؟

نعم. فالديك الرومي المذبوح على الطريقة الإسلامية أو الحاصل على شهادة حلال يرضي المذاهب كلها، ويجيز كثير من العلماء كذلك ذبائح المسيحيين واليهود استناداً إلى سورة المائدة (5). فأبعد الخمر عن مائدتك، واستمتع بما سواها.

هل عيد الشكر الكندي حرام؟

لا. فعيد الشكر في كندا، يوم الاثنين الثاني من أكتوبر، عطلة وطنية للحصاد من النوع نفسه، والحكم فيه واحد: الشكر والأسرة والطعام الطيب كلها حلال.

هل يحضر المسلم الجديد عشاء عيد الشكر مع أهله غير المسلمين؟

نعم. فالجلوس إلى مائدة الأسرة من صلة الرحم، التي يأمر بها القرآن والسنة حتى مع الأقارب من أهل الأديان الأخرى.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. سنن أبي داود 4811 (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)
  2. صحيح البخاري 2004 (صيام النبي يوم عاشوراء)
  3. سنن أبي داود 1134 (العيدان)
  4. القاعدة الفقهية «العادة محكّمة» في كتب القواعد الفقهية
  5. أبراهام لنكولن، إعلان عيد الشكر (3 أكتوبر 1863)

الصورة: Lazhar Neftien, Inside the Dome of the Rock, Jerusalem, 2009. CC BY 2.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور