هل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل في الإسلام؟
سؤال رقم 1146
السؤال
هل يعلّم الإسلام أن شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل، وما معنى الآية 282 من سورة البقرة؟
ملخص الجواب
كلمة المرأة لها وزن كلمة الرجل عند الله وفي القضاء. وآية المرأتين (سورة البقرة: 282) إنما هي في توثيق دَين تجاري، وقد ذكرت علّتها بنفسها: أن تذكّر إحداهما الأخرى إن نسيت. وقرر ابن تيمية وابن القيم أن القاضي يحكم بكل بيّنة يتبين بها الحق، وعمل النبي ﷺ بشهادة امرأة واحدة، وجعل القرآن شهادة الزوجة باليمين في وزن شهادة زوجها (سورة النور: 6-9).
الجواب
الحمد لله

قيل لكثير من المسلمات إن كلمتهن تعدل نصف كلمة الرجل، ويظن كثير من غير المسلمين أن الإسلام يعلّم ذلك. والصحيح أن شهادة المرأة لها وزن شهادة الرجل عند الله، وعند القاضي على القول الصحيح، وأنها ليست نصف شهادة الرجل. فالآية الوحيدة التي ذكرت شاهدتين من النساء، وهي الآية 282 من سورة البقرة، إنما هي في توثيق دَين تجاري، وقد ذكرت علّتها بنفسها: أن تذكّر إحداهما الأخرى إن نسيت. وقد عمل النبي ﷺ بشهادة امرأة واحدة، وجعل القرآن شهادة الزوجة باليمين في قوة شهادة زوجها، وأخذ كبار نقّاد الحديث سنة النبي ﷺ عن النساء معتمدين على كلمتهن وحدها.
ماذا تقول آية البقرة 282 عن شهادة النساء؟
الآية 282 من سورة البقرة أطول آية في القرآن، وموضوعها المعاملات. تبدأ بقوله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُ﴾ (سورة البقرة: 282)، ثم تبيّن طريقة توثيق القرض: كاتب، وإملاء من المدين، وشهود. ثم تقول:
فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰ
فالمرأتان كلتاهما شاهدتان، والثانية إنما هي سند للأولى. والآية تخاطب مجتمعاً قلّما شاركت فيه النساء في التجارة الطويلة الأجل وتدوين الحسابات. وقد علّل محمد عبده (ت 1905م)، في التفسير الذي نُشر بعدُ باسم «تفسير المنار»، هذا الحكم بقلة اشتغال النساء بالمعاملات المالية في ذلك الزمن، ولا يتضمن هذا التعليل حكماً على عقول النساء. وحيث تعمل النساء في المصارف والمحاسبة والقضاء، فقد تغيّر الظرف الذي نزلت فيه الآية.
ماذا قال ابن تيمية وابن القيم في الشهادة؟
فرّق ابن القيم (ت 751هـ/1350م)، متابعاً شيخه ابن تيمية، في كتابه «الطرق الحكمية» تفريقاً يغيّر طريقة فهم الآية. فآية البقرة 282 ترشد الدائن إلى ما يحفظ به حقه في القرض قبل وقوع النزاع، ولا ترشد القاضي إلى طريقة الحكم في الدعوى. فالقاضي يحكم بكل بيّنة يتبيّن بها الحق، وقد تثبت الواقعة بشهادة المرأة وحدها إذا كانت ثقة عالمة بما تشهد به. وقد قرر الشيخ محمود شلتوت، شيخ الأزهر، التفريق نفسه في كتابه «الإسلام عقيدة وشريعة».
والسنة تشهد لذلك. فقد تزوّج عقبة بن الحارث امرأة، فجاءت امرأة أخرى فقالت إنها أرضعتهما صغيرين، وهذا يجعلهما أخوين من الرضاعة. فركب عقبة إلى المدينة يسأل النبي ﷺ، فقال:
«وَكَيْفَ وَقَدْ قِيلَ دَعْهَا عَنْكَ»
وقد وضع البخاري هذا الحديث في كتاب الشهادات تحت باب «شهادة المرضعة». فكلمة امرأة واحدة كانت كافية لإنهاء زواج.
هل جعل القرآن شهادة المرأة مساوية لشهادة الرجل؟
نعم، وفي واحدة من أخطر مسائل الأسرة. فإذا رمى الزوج زوجته بالزنا ولم يكن له شهود، حلف بالله أربع مرات إنه صادق (سورة النور: 6-7). ثم يكون لها أن تدفع عن نفسها:
وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ
ويسمّي القرآن كل يمين من أيمانها «شهادة»، فشهاداتها الأربع تزن شهاداته الأربع سواءً بسواء.
كيف تعامل علماء المسلمين مع كلمة المرأة؟
بناء العلم الإسلامي كله قائم في جانب منه على كلمة النساء. فقد انفردت عائشة رضي الله عنها بنقل كثير من هدي النبي ﷺ في بيته، وقبل الصحابة رواياتها، وقبلوا استدراكها على ما حفظوه هم. وروى الحديثَ آلافُ النساء (من هن أعلام العالمات في تاريخ الإسلام؟)، وذكر الناقد الذهبي (ت 748هـ/1348م) في «ميزان الاعتدال» أنه لا يعلم امرأة اتُّهمت بالكذب في الحديث. وقبل الفقهاء كذلك شهادة النساء وحدهن في مسائل كالولادة والرضاع، لأنهن أهل العلم بها.
وماذا عن الحديث الذي يربط شهادة المرأة بالنقصان؟
في صحيح البخاري 304 حديث يذكر حكم آية البقرة 282 في موعظة للنساء يوم العيد. وهو يحيل إلى الآية، فيحمل نطاقها المحدود نفسه: حكم في توثيق الديون في جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي. والفقهاء الذين أخذوا السنة عن عائشة، وأئمة الحديث الذين أثنوا على الراويات، لم يفهموا منه قط أن عقل المرأة نصف عقل الرجل.
ماذا يعني هذا اليوم؟
أكثر المحاكم في البلدان ذات الأغلبية المسلمة اليوم تسمع شهادة النساء والرجال على السواء، وكثير من العلماء يطبّقون قاعدة ابن القيم: مقياس الشاهد ثقته وعلمه بالوقائع. فللمرأة أن تشهد على العقود، وأن تؤدي الشهادة أمام المحاكم، وأن توقّع على عقد الزواج، وأن تتولى القضاء (هل يجوز أن تتولى المرأة القيادة أو رئاسة الدولة في الإسلام؟). والصورة الأوسع لتعاليم القرآن في شأن المرأة في جواب ماذا يقول القرآن عن المرأة؟، ومسألة الأنصبة في الميراث القريبة منها في جواب لماذا ترث المرأة نصف الرجل في الإسلام؟
كلمة أخيرة
لما قالت أم سلمة رضي الله عنها للنبي ﷺ: «لاَ أَسْمَعُ اللَّهَ ذَكَرَ النِّسَاءَ فِي الْهِجْرَةِ» (جامع الترمذي 3023، وصححه الألباني)، نزلت هذه الآية جواباً لها:
أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖ
نسأل الله أن يجعل كل مؤمن ومؤمنة شاهداً صادقاً بالقسط، وأن يكرم كلمة كلٍّ منهما كما أكرمها.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يجوز أن تكون المرأة شاهدة على عقد الزواج؟
اختلفت المذاهب في ذلك. فالحنفية يقبلون في النكاح شهادة رجل وامرأتين، وعلى القول الأرجح، الذي يربط الشهادة بالثقة، يجوز أن تشهد على عقد النكاح امرأتان ثقتان كما يشهد رجلان.
هل تُقبل شهادة المرأة في المحاكم الإسلامية؟
نعم. فقد قبلت المحاكم في التاريخ الإسلامي شهادة النساء في مسائل كثيرة، وكانت تكفي في بعضها، كالولادة والرضاع، شهادة امرأة واحدة. وأكثر المحاكم في البلدان ذات الأغلبية المسلمة اليوم تسمع شهادة النساء والرجال على السواء.
وماذا عن الحديث الذي يصف النساء بنقصان العقل؟
الحديث الذي في صحيح البخاري (304) يحيل إلى حكم الآية 282 من سورة البقرة، فيشاركها نطاقها المحدود، وهو حكم في توثيق الديون في زمنه. والعلماء الذين قبلوا رواية عائشة وحدها في السنة لم يعدّوا عقول النساء قط نصف عقول الرجال.
ماذا يقول المذهب الجعفري؟
طبّق الفقه الجعفري، كالمذاهب السنية، حكم الآية 282 من سورة البقرة على الديون، وقبل شهادة النساء في مسائل كثيرة، منها مسائل تُقبل فيها شهادة النساء وحدهن.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- ابن القيم، «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية»
- محمد عبده ومحمد رشيد رضا، «تفسير المنار» (تفسير الآية 282 من سورة البقرة)
- صحيح البخاري 2660 (شهادة المرضعة)
- الذهبي، «ميزان الاعتدال» (في الراويات من النساء)
- محمود شلتوت، «الإسلام عقيدة وشريعة»
الصورة: Reda.bnhd, Courtyard of the Qarawiyyin Mosque, Fez, 2019. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور