هل اللعن والسب حرام؟

سؤال رقم 1170

السؤال

هل يحرم اللعن والسب، ومنه التلفظ بالكلام البذيء عند الغضب أو المزاح أو الألم؟

ملخص الجواب

لعن الإنسان، والدعاء عليه بالطرد من رحمة الله، وشتم الناس وإيذاؤهم بالكلام، كل ذلك حرام، والفحش المعتاد في القول عيب لم يكن في النبي ﷺ قط. فقد أخبر ﷺ أن المؤمن ليس باللعّان، وأنه هو نفسه بُعث رحمة ولم يُبعث لعّاناً. والكلمة التي تفلت في الألم أو الغضب تُقابَل بالتوبة والرحمة، والقرآن يدعو المؤمنين إلى أن يقولوا التي هي أحسن (سورة الإسراء: 53).

الجواب

الحمد لله

A sandstone wall carved with blocky square Kufic letters, a maze-like grid of right angles framed by a pointed arch.

من يسأل هل اللعن حرام يقصد في الغالب أحد أمرين. فبعضهم يقصد اللعن بمعناه الدقيق: أن يدعو المرء على إنسان بأن يطرده الله ويبعده من رحمته. وبعضهم يقصد السب بمعناه اليومي، أي الكلمة الفاحشة أو البذيئة التي تفلت في زحمة السير، أو في مجموعة محادثة، أو حين تهوي المطرقة على الإبهام. وجواب القرآن والسنة واضح ورفيق: لعن الإنسان وشتم الناس حرام، والفحش المعتاد في القول عيب يسعى المؤمن إلى التخلص منه، والكلمة التي تفلت في الألم أو الغضب تُقابَل بالتوبة وبرحمة الله.

ماذا يقول القرآن في اللعن والكلام البذيء؟

يدعو القرآن المؤمنين إلى أن يختاروا أحسن ما يجدون من الكلام:

وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ

سورة الإسراء: 53

وكان من الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا﴾ (سورة البقرة: 83). بل ينهى القرآن عن سبّ آلهة الآخرين:

وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ

سورة الأنعام: 108

فإذا كان المؤمن لا يسبّ صنماً منحوتاً، فأولى ألا يسبّ إنساناً خلقه الله في أحسن تقويم. وقد استثنى القرآن استثناءً واحداً بعناية: ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ (سورة النساء: 148). فمن وقع عليه ظلم فله أن يذكره علناً طلباً للإنصاف.

هل يحرم لعن شخص بعينه؟

الدعاء على إنسان بلعنة الله من آفات اللسان التي أكثر النبي ﷺ التحذير منها. فقد قال:

«لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ اللَّعَّانِ وَلاَ الْفَاحِشِ وَلاَ الْبَذِيءِ»

جامع الترمذي 1977، وصححه الألباني

ولما طُلب منه أن يدعو على المشركين أبى وقال:

«إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً»

صحيح مسلم 2599

وأخبر ﷺ أن «مَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهْوَ كَقَتْلِهِ» (صحيح البخاري 6047)، وأن «لاَ يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (صحيح مسلم 2598). وقد ذكّرت أمّ الدرداء الخليفةَ عبد الملك بن مروان بهذا الحديث حين سمعته يلعن خادمه.

ويمتدّ النهي إلى الحيوان والأشياء أيضاً. فحين لعنت امرأة من الأنصار ناقتها التي ضجرت، أمر النبي ﷺ أصحابه أن ينزعوا ما عليها ويدعوها (صحيح مسلم 2595). ومن يسبّون الدهر يذكّرهم حديث قدسي بأن الليل والنهار بيد الله (صحيح مسلم 2246).

هل السب والكلام البذيء حرام؟

وصف عبد الله بن عمرو النبيَّ ﷺ فقال: «لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا» (صحيح البخاري 6029). ولما حيّاه قوم بتحية تُخفي الدعاء عليه بالموت، فردّت عليهم عائشة رضي الله عنها باللعن، قال لها: «مَهْلاً يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ» (صحيح البخاري 6030).

وقد صنّف العلماء الكلام البذيء بحسب أثره. فالشتيمة الموجّهة إلى إنسان حرام، لأن «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ» (صحيح البخاري 48)، والكرامة نفسها ثابتة لكل إنسان. وسبّ أم أحد أو أبيه أشدّ من ذلك، فقد عدّه النبي ﷺ من الكبائر، لأن الآخر سيسبّ والديك في المقابل (صحيح البخاري 5973). وأما الألفاظ الفاحشة التي تُحشى بها الجمل دون أن تُوجَّه إلى أحد، فعادة مذمومة ينبغي تجاوزها. وقد أفرد الإمام الغزالي (ت 505هـ/1111م) في «إحياء علوم الدين» كتاباً كاملاً لآفات اللسان، ومنها الفحش واللعن.

ماذا عن الكلمات التي تفلت في الألم أو الغضب؟

الشريعة تزن النية. فقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (صحيح البخاري 5269)، ويُظهر القرآن الرحمة نفسها في لغو الأيمان، فالله يؤاخذ ﴿بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡ﴾ (سورة البقرة: 225). فالكلمة التي تفلت حين يسقط شيء على قدمك ليس فيها من القلب إلا القليل، و«أستغفر الله» صادقةً تمحوها.

والغضب هو الباب المعتاد. فحين كان رجلان يتسابّان عند النبي ﷺ واحمرّ وجه أحدهما، أخبر ﷺ أنه لو قال: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ» لذهب عنه ما يجد (صحيح البخاري 3282).

كيف أتوقف عن اللعن والسب؟

الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة

يشبّه القرآن الكلمة الطيبة بالشجرة:

أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ

سورة إبراهيم: 24

وكل كلمة رفيقة تختارها مكان كلمة قاسية تغرس شيئاً لا يزال ينمو. طيّب الله ألسنتنا، وحفظها من اللعن، وجعل كلامنا رحمة لكل من يسمعه.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يحرم السب في النفس؟

الخواطر التي تمرّ بالذهن معفوّ عنها. فقد أخبر النبي ﷺ أن الله تجاوز لأمته عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم (صحيح البخاري 5269).

هل يحرم السب حين يصيبك ألم؟

الكلمة التي تفلت مع الألم المفاجئ قليلة القصد، والله رفيق بصاحبها. فعوّد لسانك أن يقول مكانها ما هو خير، مثل «إنا لله» أو «بسم الله»، واستغفر إذا فلتت منك كلمة سيئة.

هل يحرم لعن الشيطان أو الظالمين؟

في القرآن نفسه ذكرُ لعنة الله على الشيطان وعلى الظالمين بالوصف العام. وقد أجاز كثير من العلماء اللعن بمثل هذه الأوصاف العامة، وكرهوا لعن شخص حيّ بعينه، لأن باب التوبة مفتوح لكل إنسان.

هل يحرم السب بلغة أخرى؟

الكلمة تحمل المعنى الذي تحمله عند قائلها وسامعها. فالشتيمة بالإنجليزية أو العربية أو الأردية شتيمة واحدة، والتعجّب الخفيف بأي لغة يأخذ الحكم الأخف نفسه.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. جامع الترمذي 1977 (ليس المؤمن باللعّان)
  2. صحيح مسلم 2597-2599 (في اللعن)
  3. صحيح البخاري 6029، 6030، 6047
  4. الغزالي، «إحياء علوم الدين»، كتاب آفات اللسان

الصورة: Dosseman, Square Kufic carving at the Great Mosque of Mardin, 2025. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور