هل العادة السرية حرام؟
سؤال رقم 1007
السؤال
هل الاستمناء (العادة السرية) حرام في الإسلام، أم هو مباح أو مكروه فحسب؟
ملخص الجواب
العادة السرية جائزة على القول الأرجح. فلم تذكرها آية من القرآن ولا حديث صحيح، والقرآن يخبر أن الله فصّل ما حرّمه (سورة الأنعام: 119). وغاية ما قاله ابن حزم فيها الكراهة، وفي رواية عن الإمام أحمد أنه شبّهها بالفصد، وعذر فقهاء الحنفية فيها من خاف الوقوع في الزنا. وحرّمها مالك والشافعي، وأدخلاها في آية المؤمنون: 7، وهذا قول معتبر.
الجواب
الحمد لله

قليلة هي الأسئلة التي تثقل على شباب المسلمين كهذا السؤال، وقليلة هي التي تُسأل بكل هذا الحياء والخجل. وجواب التراث أهدأ من الخوف. فالعادة السرية جائزة على القول الأرجح. فلم تذكرها آية من القرآن ولا حديث صحيح، وقد ذهب بعض أعظم فقهاء الإسلام، كابن حزم القرطبي والإمام أحمد بن حنبل في رواية عنه، إلى أنه لا إثم فيها. وقد اختلف العلماء في ذلك، والقول الأشد جدير بأن يُعرض بإنصاف، غير أن الأدلة تميل إلى التيسير.
هل العادة السرية حرام في الإسلام؟
يعلّمنا القرآن أن الله قد بيّن ما حرّمه:
وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ
وقد استنبط الفقهاء من أمثال هذه الآية قاعدة: الأصل في شؤون الحياة الإباحة ما لم يرد نص صريح بالتحريم. ويحذّر القرآن المؤمنين من تحريم ما أحلّه الله لهم من الطيبات: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ﴾ (سورة المائدة: 87). والاستمناء لا ذكر له في القرآن، ولا يتحدث عنه حديث صحيح، والأقوال المتداولة على الإنترنت في لعن فاعله لا إسناد لها يُعتمد. فلا بد إذن من استنباط حكمه، وهنا تفترق المذاهب.
ماذا قال العلماء المتقدمون؟
ابن حزم والمذهب الظاهري
كتب ابن حزم (ت 456هـ/1064م)، فقيه الأندلس الكبير، في «المحلى» أن الاستمناء مباح، لأن الله فصّل كل ما حرّمه، وهذا ليس مما فصّله. ولم يزد على كراهة خفيفة، فذكر أنه يكرهه لأنه ليس من مكارم الأخلاق ولا من الفضائل. وجعل الحكم واحداً للنساء والرجال. ونقل كذلك أن الحسن البصري من التابعين لم يرَ به بأساً، وأن جابر بن زيد سمّاه ماءك، تريقه إن شئت.
الإمام أحمد والمذهب الحنبلي
يُروى عن الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ/855م) أنه شبّه المني بسائر فضلات البدن، وأجاز إخراجه كما يجوز الفصد. وذكر ابن تيمية (ت 728هـ/1328م) أن عن أحمد روايتين، إحداهما بالتحريم والأخرى بالكراهة دون التحريم، وأجازه متأخرو الحنابلة لمن خاف الوقوع في الزنا ولم يقدر على الزواج.
المذهب الحنفي
كره فقهاء الحنفية الاستمناء في الجملة، وكثير منهم جعلوا الكراهة شديدة. ومع ذلك أفسحوا هم أيضاً مجالاً للحاجة. فقد نقل ابن عابدين (ت 1252هـ/1836م)، عمدة متأخري المذهب، أن من خاف الزنا يُرجى ألّا يكون عليه وبال.
قول المالكية والشافعية والجعفرية
حرّمه الإمام مالك (ت 179هـ/795م) والإمام الشافعي (ت 204هـ/820م). وأدخلاه في الآية التي تثني على المؤمنين الحافظين لفروجهم إلا على أزواجهم، ثم تقول: ﴿فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 7). وعلى هذا القول فقهاء الجعفرية. ويستشهد بعضهم كذلك بالحديث الذي نصح فيه النبي ﷺ الشباب الذين لا يستطيعون الزواج بعدُ بالصوم (صحيح البخاري 5065). وهذا قول معتبر قال به أئمة كبار.
أي القولين أرجح؟
آية سورة المؤمنون تتناول العلاقة الجنسية مع شخص آخر: فهي تقابل بين الأزواج الحلال وبين من هم خارج الزواج، ولا تذكر الفعل الذي يفعله المرء وحده. وحديث الصوم يرشد الشباب إلى عون على شهوتهم، ولا يحرّم شيئاً. وإذا سكتت النصوص جرت القاعدة التي علّمها الفقهاء أنفسهم، فبقي الفعل على الإباحة. وإلى هذه النتيجة نفسها انتهى علماء معاصرون. فقد كتب شهزاد سليم من مؤسسة «المورد»، التي أسسها جاويد أحمد غامدي، سنة 1998 أنه «لا يوجد في الشريعة نص صريح يحرّم الاستمناء». ومال يوسف القرضاوي إلى قول أحمد فيمن اشتدت شهوته.
فالقول الأرجح إذن أن العادة السرية حلال. وكراهة ابن حزم نصيحة حسنة في الاعتدال.
متى تصبح مشكلة؟
وضع النبي ﷺ قاعدة تحكم كل مباح:
«لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ»
سنن ابن ماجه 2340 (وصححه الألباني)
فكل مباح يصير مصدر قلق إذا أضرّ: إذا صار قهرياً، أو زاحم النوم والعمل والصلاة والزوج، أو تغذّى على مواد تستغل الناس. وللمواد الإباحية أسئلتها الخاصة في الرضا والاستغلال، وهي مسألة مستقلة عن هذا الحكم. وإن شعرت أنك فقدت السيطرة، فالمرشد النفسي يستطيع أن يعينك، وطلب هذا العون من رعاية النفس التي استأمنك الله عليها (هل الاكتئاب علامة على ضعف الإيمان؟).
وماذا عن الشعور بالذنب؟
يحمل كثير من المسلمين سنين من الشعور بالذنب في هذا الأمر، زادها ثقلاً وعّاظ وصفوه بوعيد مبالغ فيه. فضع عنك هذا الحمل. فالشهوة جزء مما خلق الله عليه الإنسان، والانجذاب نفسه لا لوم فيه (هل الإعجاب بشخص حرام؟). ويبقى الزواج هبة القرآن العظيمة للحب والمودة، والتعرف على شريك المستقبل حلال (هل المواعدة حرام في الإسلام؟). وإلى أن يحين ذلك، ولمن يبقى بلا زواج اختياراً أو قدراً (هل يحرم ترك الزواج أو الإنجاب؟)، فالشريعة لا تطلب المستحيل.
وتبقى أحكام عملية قليلة. فالغسل واجب بعده قبل الصلاة التالية، وتعمّد الإنزال في نهار الصيام يفسد الصوم (ما هي مفطرات الصيام في رمضان؟).
كلمة في الختام
يصف القرآن مقصد الله من التشريع بحنان عظيم:
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا
فاصرف نظرك عن الخجل إلى الحياة التي يريدها الله لك: صلاة تثبّتك، وصداقات تغذّي روحك، وزواج مليء بالمحبة إن شاء الله.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل العادة السرية تفطر في رمضان؟
نعم. فالمذاهب متفقة على أن تعمّد الإنزال في نهار الصيام يفسد الصوم، ويُقضى اليوم بعد رمضان. أما في الليل، ما بين الإفطار والسحور، فحكمها حكم سائر الأيام.
هل يجب الغسل بعد الاستمناء؟
نعم. فكل خروج للمني، من الرجل أو المرأة، يوجب الغسل قبل الصلاة التالية، كما يوجبه الجماع.
هل العادة السرية حرام على المرأة؟
الحكم واحد للمرأة والرجل. وقد صرّح ابن حزم بأن حكمه يشمل الجنسين.
ماذا يقول المذهب الحنفي؟
كره فقهاء الحنفية الاستمناء في الجملة، ونقل ابن عابدين (ت 1252هـ/1836م) أن من خاف الوقوع في الزنا يُرجى ألّا يكون عليه وبال.
ما رأي الشيعة؟
يحرّمه فقهاء الجعفرية في الجملة، استدلالاً بالآية نفسها من سورة المؤمنون التي استدل بها المالكية والشافعية. والقول الأرجح المبيّن في هذا الجواب قائم على أدلة تشترك فيها المذاهب كلها.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- ابن حزم، «المحلى بالآثار» (مسألة الاستمناء)
- ابن عابدين، «رد المحتار على الدر المختار»
- ابن تيمية، «مجموع الفتاوى» (في الروايتين عن الإمام أحمد)
- يوسف القرضاوي، «الحلال والحرام في الإسلام»
- شهزاد سليم، "Masturbation"، Monthly Renaissance (المورد)، 1998
الصورة: Ottoman tile makers, Iznik tile panel, second half of the 16th century. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور