هل البيرة الخالية من الكحول حلال؟
سؤال رقم 1235
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يشرب البيرة الخالية من الكحول، أو النبيذ الخالي من الكحول، أو مشروبات الشعير المكتوب عليها 0.0% أو 0.5%؟
ملخص الجواب
البيرة الخالية من الكحول التي لا تُسكر حلال على القول الأرجح. فقد جعل النبي ﷺ الإسكار هو الميزان: ما أسكر كثيره فقليله حرام (سنن أبي داود 3681). والمشروب الذي نسبته 0.0% لا يُسكر بأي مقدار، والأثر الضئيل من الكحول بالقدر الموجود في الفاكهة الناضجة والعصير لا يغيّر حكم الشراب. وينصح بعض العلماء باجتناب هذه المشروبات لشبهها بالبيرة، وهو احتياط يزنه كل مؤمن لنفسه.
الجواب
الحمد لله

هل البيرة الخالية من الكحول حلال؟ القول الأرجح أنها حلال إذا كانت لا تُسكر. فالإسلام حرّم المسكرات لأنها تغطي العقل، وقد وضع النبي ﷺ ميزاناً واضحاً لما يُعدّ منها. فالشراب الذي لا يُسكر مهما أكثر منه شاربه خارج عن التحريم، أياً كان اسمه وأياً كان شكله. والمشروبات المكتوب عليها 0.0% تستوفي هذا الميزان تماماً، وكذلك ما فيه أثر ضئيل من الكحول مما يوجد طبيعياً في الفاكهة والخبز.
ما الذي يجعل الشراب حراماً في الإسلام؟
حرّم القرآن الخمر (سورة المائدة: 90-91)، وبيّن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على منبر المدينة أن الخمر تُتخذ من أصناف شتى، ثم قال: «وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ» (صحيح البخاري 5581). وقال النبي ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (صحيح مسلم 2003). ثم وضع الميزان:
«مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»
سنن أبي داود 3681، وقال الألباني: حسن صحيح
وهذا الميزان ينظر إلى الشراب في جملته. فإن كان الإكثار منه يُسكر، حرم القليل منه ولو رشفة، ولذلك كان كأس البيرة العادية أو الخمر حراماً. وإن كان لا يُسكر مهما كثر، فليس بخمر. والقاعدة الفقهية أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً: فحيث وُجد الإسكار وُجد التحريم، وحيث انتفى انتفى. وتفصيل حكم الكحول في جواب هل الكحول حرام في الإسلام؟
ماذا عن نسبة 0.5% والآثار الطبيعية؟
كثير من المشروبات التي تباع على أنها «خالية من الكحول» فيها أثر منه، يصل غالباً إلى نصف في المئة، أما المكتوب عليها 0.0% فلا تكاد تحوي منه شيئاً. ومثل هذه الآثار جزء من الطعام المعتاد. فالفاكهة الناضجة، والعصير، والخبز الطازج، والكفير، وصلصة الصويا، كلها فيها مقادير ضئيلة من الكحول ناتجة عن التخمر الطبيعي. ولو كان كل أثر منه يحرّم الطعام، لما جاز للمسلمين أن يشربوا عصير البرتقال.
وفي السنة ما يجيب عن هذا مباشرة. فقد كان النبي ﷺ نفسه يشرب النبيذ، وهو تمر أو زبيب يُنقع في الماء، فيبدأ في التخمر مع مرور الأيام:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الأُخْرَى وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ»
وقال ابن عباس في تمام الحديث: «فَإِنْ بَقِيَ شَىْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ» (صحيح مسلم 2004). وفي اليوم الثالث يكون هذا الشراب قد بدأ يتخمر، وكان النبي ﷺ يشربه حتى قُبيل أن يصير مسكراً. وكذلك أفتت لجنة الفتوى الوطنية في ماليزيا سنة 1984 بأن الكحول الناتج عرضاً في صناعة الطعام ليس نجساً، ويجوز أكله.
ماذا قالت المذاهب الفقهية؟
تحرّم المالكية والشافعية والحنابلة كل شراب مسكر، قليله وكثيره. وقاعدتهم في الأشربة التي تُسكر، فيبقى الشراب الذي لا يُسكر خارج التحريم. وذهب الحنفية، تبعاً لأبي حنيفة (ت 767م)، إلى أبعد من ذلك في التيسير: فقد علّقوا الحكم في غير ما يُتخذ من العنب والتمر على الإسكار نفسه، وأباحوا من أشربة الحبوب والعسل ما لا يُسكر. فمشروب الشعير الذي لا يُسكر أصلاً حلال على أصول الحنفية.
ويعدّ فقهاء الجعفرية (الشيعة) الفُقّاع، وهو شراب الشعير المتخمر، حراماً في ذاته، فعلى القراء من الشيعة أن يسألوا عن طريقة صنع الشراب بعينه، وأن يتبعوا مرجعهم (ما الفرق بين السنة والشيعة؟).
لماذا ينهى بعض العلماء عنها؟
يكره القول الأشد، الذي يأخذ به عدد من العلماء المعاصرين، هذه المشروبات أو يحرّمها لثلاث علل: أن كثيراً منها يُصنع بيرةً ثم يُنزع منه الكحول، وأن طعمها وشكلها يحاكيان ثقافة الشرب، وأنها قد تجرّ صاحبها إلى الشراب الحقيقي. وقد حرّمت الفتوى الماليزية نفسها سنة 1984 المشروبات الغازية التي تُصنع بطريقة صنع الخمور، ولو نُزع منها الكحول بالتقطير. ويستدل أصحاب هذا القول بالحديث الذي سُئل فيه النبي ﷺ عن الخمر تُتخذ خلاً فقال: «لاَ» (صحيح مسلم 1983).
ويجيب القول الأرجح بأن المادة التي زالت عنها صفة الإسكار تأخذ حكماً جديداً. فالخمر إذا تخللت بنفسها حلال باتفاق المذاهب، وقد أثنى النبي ﷺ على الخل فقال: «نِعْمَ الأُدُمُ - أَوِ الإِدَامُ - الْخَلُّ» (صحيح مسلم 2051). ومبدأ الاستحالة نفسه مبيّن في جواب هل الجيلاتين حلال؟ أما المخاوف من التشبّه والإغراء فحقيقية، وهي من باب الحكمة التي يزنها كل إنسان لنفسه.
كيف يقرر المسلم؟
- اقرأ الملصق. فالمشروب المكتوب عليه 0.0% أوضح الخيارات. وما فيه إلى 0.5% لا يُسكر، وهو حلال على القول الأرجح.
- اعرف نفسك. فمن يتعافى من إدمان الكحول قد يجد أن طعم البيرة يفتح جرحاً قديماً، فاجتنابها عندئذ حكمة.
- انتبه إلى المكان. فمشروب الشعير في شواء عائلي غير الجلوس في حانة. وحكم العمل أو المخالطة حيث تُقدَّم الخمر مبيّن في جواب هل يجوز للمسلم العمل في مكان يبيع الخمر أو لحم الخنزير؟
شراب الجنة
يصف القرآن خمر الجنة بما خلت منه. فهي طاهرة لذيذة، قد زال عنها أذى شراب الدنيا:
لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ
فالتحريم كان دائماً من أجل العقل والضرر، ولم يكن قط من أجل طعم بعينه. اللهم احفظ عقولنا صافية لذكرك، واسقنا في الآخرة الكأس التي لا أذى فيها.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل نسبة 0.5% من الكحول حلال؟
الشراب الذي فيه نصف في المئة من الكحول لا يُسكر أحداً مهما شرب منه، فهو حلال على القول الأرجح، كالعصير الذي بدأ يتخمر. ومن أراد الاحتياط فليختر المشروبات المكتوب عليها 0.0%.
هل النبيذ الخالي من الكحول حلال؟
يجري عليه الميزان نفسه: فإن كان لا يُسكر مهما كثر، فهو خارج عن التحريم. ولأن طعمه ومجلسه يحاكيان الخمر محاكاة أشد، يفضّل كثير من المسلمين اجتنابه، وهذا احتياط محمود.
ماذا يقول الحنفية في البيرة الخالية من الكحول؟
علّق المذهب الحنفي دائماً حكم الأشربة المتخذة من غير العنب والتمر على الإسكار نفسه. وقد أباح أبو حنيفة من أشربة الحبوب والعسل ما لا يُسكر، فمشروب الشعير الذي لا يُسكر بأي مقدار حلال على أصول الحنفية.
هل البيرة الخالية من الكحول حلال عند الشيعة؟
يعدّ فقهاء الجعفرية الفُقّاع، وهو شراب الشعير المتخمر، حراماً في ذاته ولو لم يبلغ حد الإسكار. فعلى المؤمن الشيعي أن يسأل عن طريقة صنع الشراب بعينه، وأن يتبع إرشاد مرجعه.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- سنن أبي داود 3681؛ صحيح مسلم 2003، 2004، 2051، 1983
- صحيح البخاري 5581 (عمر: الخمر ما خامر العقل)
- لجنة الفتوى في المجلس الوطني للشؤون الدينية الإسلامية في ماليزيا، المذاكرة السابعة (أبريل 1984)، في الكحول
- «الموسوعة الفقهية الكويتية»، مادتا «أشربة» و«خمر»
الصورة: Alaazzpov, Ramadan lanterns for sale in the Sayyida Zaynab district, Cairo, 2026. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور