هل إشعال البخور حرام؟
سؤال رقم 1269
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يشعل البخور في بيته، كأعواد البخور والبخور العربي والعود والمريمية، وأن يكون حيث يُشعل البخور في كنيسة أو معبد؟
ملخص الجواب
إشعال البخور حلال، وفيه اتباع لسنة الطيب. فقد قال النبي ﷺ إن الطيب حُبّب إليه، وكان ابن عمر يتبخر بالعود الخالص ويقول إن رسول الله ﷺ كان يتبخر هكذا (صحيح مسلم 2254). والبخور والعود واللبان وأعواد البخور والمريمية روائح مباحة. ولا يترك المسلم إلا البخور الذي يُقدَّم لصنم عبادةً، والدخان الذي يؤذي رئتي أحد.
الجواب
الحمد لله

علبة من أعواد خشب الصندل من متجر آسيوي، وقطعة بخور تتوهج على الجمر في بيت الجدة، وحزمة من المريمية من متجر للعناية بالصحة، وسحابة من اللبان في جنازة جار في الكنيسة: كثير من المسلمين يتساءلون هل إشعال البخور حرام. والجواب أنه حلال، وفيه سنة. فقد كان النبي ﷺ يحب الرائحة الطيبة، وكان صاحبه ابن عمر رضي الله عنهما يتبخر بالعود الخالص، ويقول إن رسول الله ﷺ كان يتبخر هكذا.
ولا يستثني التراث إلا فعلاً واحداً: البخور الذي يُقدَّم لصنم أو لإله عبادةً. أما الرائحة نفسها، من أي متجر أو بلد جاءت، فمن الطيبات التي أحلها الله.
هل إشعال البخور حرام في الإسلام؟
القاعدة التي ينطلق منها الفقهاء أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد نص بالتحريم، ولا آية ولا حديث صحيح يحرّم البخور. والقرآن يسأل:
قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِ
وكان الطيب من أحب ما في الدنيا إلى النبي ﷺ:
«حُبِّبَ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ»
وقد قال الألباني في هذا الحديث: حسن صحيح. والبخور جزء من هذا الحب. فقد وصف نافع، مولى ابن عمر، عادة سيده:
«كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ بِالأَلُوَّةِ غَيْرِ مُطَرَّاةٍ وَبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ مَعَ الأَلُوَّةِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم»
والألُوّة هي قلب الخشب الراتنجي الذي يسمى في العربية أيضاً العود، ويسمى بالإنجليزية oud أو agarwood.1
هل يجوز إشعال البخور والعود في البيت والمسجد؟
كانت المساجد من أوائل الأماكن التي طيّبها المسلمون. فقد روت عائشة أن رسول الله ﷺ أمر ببناء المساجد في الأحياء، وأن تُنظّف وتُطيّب (سنن أبي داود 455، وصححه الألباني). ومن التابعين الذين يروون عن أبي هريرة في صحيح البخاري رجل عُرف في التاريخ باسم نعيم المُجمِر، أي صاحب المجمرة. وقد ذكر الذهبي (ت 748هـ/1348م) في «تاريخ الإسلام» أنه كان يجمّر مسجد النبي ﷺ، ويذكر من ترجم له بعده أن عمر هو الذي ولّاه ذلك.
ولا تزال هذه العادة قائمة. ففي أنحاء العالم العربي يدير المضيفون المبخرة على الضيوف في المجلس علامةً على الترحيب، وتبخّر الأسر بيوتها وثيابها في أيام الجمعة وفي الأعراس. وتُغسل الكعبة كل عام بماء زمزم وماء الورد ودهن العود. واللبان الذي يُحرق في كثير من هذه البيوت ينبت في جنوب جزيرة العرب، حيث أدرجت اليونسكو سنة 2000 بساتين اللبان والموانئ التجارية القديمة في عُمان في قائمة التراث العالمي باسم «أرض اللبان».
والنساء يتبخرن كما يتبخر الرجال. أما الرواية الوحيدة في البخور وصلاة العشاء فمبيّنة في جواب هل يجوز للمرأة المسلمة أن تتعطر؟
هل أعواد البخور من المتاجر الآسيوية حرام؟
كثير من المسلمين في أوروبا يشترون أعواد البخور من متجر آسيوي أو من متجر للشاي. وكثير من هذه الأعواد مصنوع لمذابح البوذيين أو الطاويين أو الهندوس، فيأتي السؤال: هل يجعل هذا الأصلُ شراءها أو إشعالها حراماً؟
والجواب لا. فعود الصندل أو الياسمين شيء ذو رائحة طيبة، لا دين له. وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (صحيح البخاري 1). فإذا أُشعل على رف الكتب لتطييب الغرفة، أو في أثناء الدراسة، أو لاستقبال الضيوف، فهو الطيب المباح نفسه الذي في البخور العربي، وشراؤه من بائع على دين آخر تجارة عادية مشروعة.
وإنما يترك المسلم البخور الذي يُقدَّم عبادةً: عوداً يُشعل أمام تمثال قرباناً، مع الانحناء أو الدعاء لتلك الصورة. فالعبادة لله وحده:
قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ
هل حرق المريمية أو التبخير بها حرام؟
تُباع حزم المريمية البيضاء في أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية لما يسمى «التطهير بالدخان» (smudging). وكثير من الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية يحرقون المريمية وغيرها من الأعشاب في مراسم البركة، وقد اعترضت جماعات من السكان الأصليين على تجارتها وعلى الإفراط في قطف المريمية البيضاء البرية.
والمريمية من حيث هي رائحة من الرياحين الطيبة التي خلقها الله. وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلاَ يَرُدُّهُ فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ طَيِّبُ الرِّيحِ» (صحيح مسلم 2253). فحرق المريمية لتطييب الغرفة أو لرائحتها حلال. وللمسلم الذي يشتريها أن يختار المريمية المزروعة، وأن يعامل مراسم الشعوب الأصلية باحترام.
وكثيراً ما تضيف تجارة العناية بالصحة وعداً بأن الدخان يطرد «الطاقة السلبية» أو يصرف الأرواح. ولا حديث صحيح يجعل للدخان هذه القوة. وقد اعتادت البيوت الفارسية منذ زمن بعيد أن تحرق بذور الحرمل (إسفند) اتقاءً للعين، وهي عادة تجد «الموسوعة الإيرانية» (Encyclopaedia Iranica) شواهدها كثيرة في الأدب الفارسي الكلاسيكي. ومثل هذا الدخان عادة لطيفة. أما الحفظ فمن الله وحده، وقد علّم النبي ﷺ المؤمنين أن يطلبوه بالمعوذتين:
قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ ﴿١﴾ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾
فأشعل المريمية لرائحتها، واقرأ سورتي الفلق والناس للتحصن. وللمزيد انظر هل العين حق في الإسلام؟ وجواب الخرافات والإسلام.
هل يجوز للمسلم أن يكون حيث يُشعل البخور في كنيسة أو معبد؟
تحرق الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية اللبان في القداس وفي عيد الميلاد وفي الجنائز، وتمتلئ المعابد الهندوسية والبوذية بدخان أعواد البخور. والمسلم الذي يحضر جنازة جار، أو زفاف صديق، أو زيارة مدرسية لمعبد، أو أمسية في ديوالي، يشم تلك الرائحة ضيفاً، ولا يمس ذلك دينه في شيء. والقرآن يعدّ ﴿صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ﴾ من بيوت العبادة التي يدفع الله عنها (سورة الحج: 40).
والقربان لأهله. فالضيف المسلم يقف بأدب، ويعتذر بلطف إن دُعي إلى أن يحرّك المبخرة أو أن يضع عوداً أمام صورة. وفي جوابي هل يجوز للمسلم دخول الكنيسة والصلاة فيها؟ وهل يجوز للمسلم زيارة المعبد الهندوسي أو الاحتفال بديوالي؟ إرشاد لهذه الزيارات.
هل البخور آمن على الصحة؟
الشريعة تحفظ النفس والصحة، وقد قضى النبي ﷺ أن «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» (سنن ابن ماجه 2340، وصححه الألباني). وقد وجدت مراجعة علمية نُشرت سنة 2008 في مجلة Clinical and Molecular Allergy أن دخان البخور يحمل جسيمات دقيقة وغازات ترهق المجاري التنفسية، وأنه يطلق من الجسيمات لكل غرام يُحرق أكثر مما تطلقه السجائر، ونصحت بتهوية البيوت التي يُشعل فيها البخور.
- هوِّ الغرفة. افتح النافذة، وأشعل البخور مدة قصيرة.
- راعِ رئات غيرك. أبعد الدخان عن الرضّع، واستأذن قبل الإشعال قرب من يعاني الربو.
- احذر النار. ضع المبخرة على سطح لا يتأثر بالحرارة، ولا تترك الجمر أو العود المشتعل وحده أبداً.
- خفّف في الأماكن المشتركة. ففي المسجد أو في سكن مشترك تخدم الرائحة الخفيفة الجميع خيراً من السحابة الكثيفة.
كلمة في الختام
وصف النبي ﷺ أهل الجنة، وقلوبهم على قلب رجل واحد، يسبّحون الله بكرة وعشياً، ثم قال:
«وَقُودُ مَجَامِرِهِمُ الأُلُوَّةُ»
فكل قطعة عود على الجمر تذكير صغير بهذا الوعد. أشعلها شاكراً، ودعها تطيّب صلاتك وترحيبك، واسأل الله الجنة التي تتقد مجامرها بالعود.
الحواشي
الاستجمار هنا التبخر بالدخان فوق الجمر. وفي أبواب الطهارة يُطلق الفعل نفسه على التنظف بالحجارة الصغيرة، والسياق هو الذي يحدد المعنى. وفي رواية البخاري لحديث أهل الجنة يفسّر الراوي أبو اليمان الألوّة بالعود. ↑
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل إشعال البخور يفطر الصائم؟
إشعال البخور في الغرفة وشم رائحته لا يفطّران. ويرى فقهاء الحنفية، تبعاً لكتاب «مراقي الفلاح» للشرنبلالي، أن إدخال الدخان إلى الأنف أو الفم عمداً يفطّر، ولذلك يشعل كثير من الأسر الصائمة البخور بعد الإفطار.
هل يجوز للمرأة أن تتبخر؟
نعم. فالنساء في أنحاء العالم الإسلامي يبخّرن بيوتهن وثيابهن وشعورهن. وفي صحيح مسلم (444) رواية تطلب من المرأة التي أصابت بخوراً ألا تشهد صلاة العشاء في المسجد، ويربطها العلماء بأزقة المدينة المظلمة.
ما رأي الشيعة في البخور؟
يعدّ الفقهاء الجعفريون الطيب من السنن المستحبة للأنبياء، وقد جمع الحر العاملي في كتابه الحديثي «وسائل الشيعة» روايات تستحب التبخر.
هل يجوز إشعال البخور للميت؟
تجمير ثياب الميت بالبخور عادة قديمة. فقد طلبت أسماء بنت أبي بكر من أهلها أن يجمّروا ثيابها إذا ماتت، وألا يتبعوها بنار (موطأ مالك 531).
هل يجوز إشعال البخور في أثناء الصلاة أو قراءة القرآن؟
نعم. فتطييب مكان الصلاة اتباع لأمر النبي ﷺ بأن تُنظّف المساجد وتُطيّب (سنن أبي داود 455)، وكثير من الأسر تشعل البخور قبل صلاة الجمعة.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح مسلم 2253 و2254
- سنن النسائي 3939
- سنن أبي داود 455 وصحيح البخاري 3246
- الذهبي، «تاريخ الإسلام» (ترجمة نعيم بن عبد الله المجمر)
- الشرنبلالي، «مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح»
- Lin, Krishnaswamy and Chi، "Incense smoke: clinical, structural and molecular effects on airway disease"، Clinical and Molecular Allergy 6 (2008)
- الموسوعة الإيرانية (Encyclopaedia Iranica)، مادة "Esfand"
- مركز التراث العالمي في اليونسكو، أرض اللبان (Land of Frankincense)
الصورة: ʿAli ibn Muhammad al-Barmaki, Mosque lamp of Amir Qawsun, Cairo, c. 1329–1335. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور