كيف كُتب القرآن الكريم وجُمع؟

سؤال رقم 1229

السؤال

كيف كُتب القرآن الكريم وجُمع في كتاب واحد، وكيف نعرف أن النص الذي يقرؤه المسلمون اليوم هو الذي تلاه النبي؟

ملخص الجواب

نزل القرآن على النبي ﷺ في نحو ثلاث وعشرين سنة، فحفظه الصحابة، وكتبه كتّاب الوحي كزيد بن ثابت أولاً بأول. ولما استحرّ القتل بالقرّاء يوم اليمامة أمر أبو بكر زيداً أن يجمعه في صحف واحدة، ثم أمر عثمان بنسخ مصاحف موحّدة أرسلها إلى الأمصار. وأقدم المخطوطات الباقية توافق هذه الرواية.

الجواب

الحمد لله

Gold Kufic letters in long horizontal strokes on parchment dyed deep indigo, with a small gold verse marker at the right edge.

كيف كُتب القرآن الكريم وجُمع؟ نزل على النبي ﷺ منجّماً في نحو ثلاث وعشرين سنة. فكان أصحابه يحفظون كل ما ينزل، وكان كتّابه يكتبونه حين نزوله. وبعد وفاته أمر أبو بكر بجمع ما كُتب في صحف واحدة، ثم أمر عثمان بنسخ مصاحف موحّدة منها وأرسلها في أرجاء العالم الإسلامي. وأقدم المخطوطات الباقية توافق النص الذي يتلوه المسلمون اليوم.

كيف نزل القرآن؟

لخّص ابن عباس رضي الله عنهما تاريخ النزول، فذكر أن الوحي نزل على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يتنزّل عليه، ثم هاجر إلى المدينة فمكث بها عشر سنين (صحيح البخاري 3851). وأول ما نزل: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ (سورة العلق: 1). وقد بيّن القرآن نفسه لماذا لم ينزل جملة واحدة:

وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا

سورة الإسراء: 106

فكان الوحي يجيب عن الوقائع حين تقع، ويثبّت القلوب على مرّ الزمن (سورة الفرقان: 32). ووعد الله نبيه ﷺ فقال: ﴿إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ﴾ (سورة القيامة: 17). وكان جبريل يعارضه القرآن كله في كل رمضان، فلما كان العام الذي قُبض فيه عارضه إياه مرتين (صحيح البخاري 4998).

هل كُتب القرآن في حياة النبي ﷺ؟

نعم. فقد كان القرآن يُتلى ويُكتب منذ البداية. ولما نزلت آية القاعدين عن الجهاد (سورة النساء: 95) قال النبي ﷺ: «ادْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ» (صحيح البخاري 4990)، ثم أملى عليه الآية. وكان عند صحابة آخرين صحف كتبوا فيها ما كتبوا من القرآن.

وحملته الصدور كما حملته السطور. فقد ذكر أنس بن مالك أربعة من الأنصار جمعوا القرآن حفظاً على عهد النبي ﷺ: أُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد (صحيح البخاري 5003). وقال النبي ﷺ لأمته: «خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ وَمُعَاذٍ وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ» (صحيح البخاري 4999).

كيف جمع أبو بكر القرآن؟

بعد وفاة النبي ﷺ بقليل قُتل كثير من القرّاء يوم اليمامة. فخشي عمر رضي الله عنه أن يذهب بذهابهم كثير من القرآن، وألحّ على أبي بكر أن يأمر بجمعه في كتاب واحد. فتردد أبو بكر ثم وافق، وعهد بالمهمة إلى زيد بن ثابت، الشاب الذي يثق به الجميع، والذي كان يكتب الوحي بنفسه. فقال زيد إن نقل جبل من الجبال كان أخفّ عليه من ذلك، ووصف طريقته فقال:

«فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ»

صحيح البخاري 4986

فاعتمد زيد على المكتوب وعلى حفظ القرّاء معاً. ووجد آخر سورة التوبة مكتوباً عند أبي خزيمة الأنصاري وحده، مع أنها كانت محفوظة في الصدور. وبقيت الصحف التي جُمعت عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة، زوج النبي ﷺ. وخبر زيد نفسه محفوظ في صحيح البخاري، الكتاب الذي فحص المحدّثون أسانيده أشدّ الفحص (هل كل الأحاديث صحيحة؟).

ماذا فعل عثمان بالقرآن؟

في خلافة عثمان، الخليفة الثالث، التقت جيوش المسلمين من أهل الشام وأهل العراق في غزو أرمينية وأذربيجان، فأفزع الصحابيَّ حذيفةَ بن اليمان اختلافُهم في القراءة، فألحّ على عثمان أن يتدارك الأمر. فطلب عثمان الصحف من حفصة، وأمر زيداً ومعه عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بنسخها. وإذا اختلفوا في الرسم كتبوه بلسان قريش، الذي نزل به القرآن. ثم ردّ الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل ناحية مصحفاً، وأمر بما سواه من المصاحف الخاصة أن يُحرق (صحيح البخاري 4987).

ونص هذه المصاحف، وهو المصحف العثماني، هو النص الذي يتلوه كل مسلم اليوم. ثم أضافت الأجيال اللاحقة النقط والشكل تيسيراً على القرّاء الجدد.

ماذا تُظهر أقدم المخطوطات؟

في يوليو 2015 أعلنت جامعة برمنغهام أن ورقتين من الرقّ في مجموعة منغانا لديها، فيهما أجزاء من السور 18 إلى 20، أرّخهما الكربون المشع بما بين سنتي 568 و645 للميلاد، بنسبة احتمال 95.4 في المئة. ونصّهما يوافق القرآن الذي يُقرأ اليوم (هل النبي محمد شخصية تاريخية حقيقية؟).

ومن القطع المبكرة التي وُجدت في الجامع الكبير بصنعاء في اليمن رقّ ممسوح أُعيدت الكتابة عليه (طِرس). ويُظهر نصه السفلي فروقاً يسيرة في الألفاظ والترتيب، من جنس ما تذكره الروايات المبكرة عن المصاحف الخاصة التي كانت عند بعض الصحابة قبل مصاحف عثمان الموحّدة.

ما هي القراءات المختلفة؟

علّم النبي ﷺ القرآن على أكثر من وجه. فحين سمع عمر هشامَ بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأه إياه رسول الله ﷺ، جاء به إلى النبي ﷺ، فأقرّ القراءتين كلتيهما وقال:

«إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ»

صحيح البخاري 4992

وكان الرسم العثماني، المكتوب بلا نقط ولا شكل، يتسع لعدد من هذه القراءات الصحيحة. وفي القرن العاشر الميلادي ضبط العالم البغدادي ابن مجاهد سبع قراءات معتمدة، ثم اعترف العلماء بعده بعشر. وأكثر المصاحف المطبوعة اليوم على رواية حفص عن عاصم، ويقرأ كثير من أهل شمال أفريقيا وغربها برواية ورش عن نافع. والفروق بينها تتعلق بالنطق وبيسير من الألفاظ، ولا تغيّر شيئاً من تعاليمه. أما كيف يُفهم النص بعد ذلك فموضوع جواب كيف يُفسَّر القرآن الكريم؟، وأما قراءته مترجماً فيتناولها جواب هل تجوز قراءة القرآن مترجماً إلى الإنجليزية؟بالإنجليزية

كتاب حيّ

وصل إلينا القرآن على أيدي الكتّاب والقرّاء والمعلمين في كل جيل، وبوعد الله نفسه:

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ

سورة الحجر: 9

وقال النبي ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (صحيح البخاري 5027). جعلنا الله من أهله، الذين يحملونه في قلوبهم ويحيون بنوره.

والله أعلم

أسئلة شائعة

من كتب القرآن؟

كان عدد من الصحابة يكتبون الوحي في حياة النبي ﷺ، وأشهرهم زيد بن ثابت، الذي دعاه النبي ﷺ ليأتي باللوح والدواة والكتف فيكتب آية نزلت لتوّها (صحيح البخاري 4990). ثم تولّى زيد بعد ذلك الجمع في عهد أبي بكر والنسخ في عهد عثمان.

لماذا أحرق عثمان المصاحف الأخرى؟

لما أخذ الجند القادمون من الأمصار المختلفة يختلفون في القراءة، أمر عثمان بنسخ مصاحف موحّدة من الصحف التي كانت عند حفصة، وأرسل إلى كل ناحية مصحفاً، وأمر بما سواه من المصاحف الخاصة أن يُحرق، لتجتمع الأمة على نص واحد متفق عليه (صحيح البخاري 4987).

ما أقدم مخطوطة للقرآن؟

من أقدمها مصحف برمنغهام، وهو ورقتان فيهما أجزاء من السور 18 إلى 20، وقد أرّخ الكربون المشع رقّهما بما بين سنتي 568 و645 للميلاد. ونصّهما يوافق القرآن الذي يُقرأ اليوم.

هل حُرّف القرآن؟

الرسم الذي يتلوه المسلمون اليوم هو الرسم العثماني من القرن السابع الميلادي، محفوظاً في الصدور والسطور في كل بلاد المسلمين. والقراءات المقبولة لا تختلف إلا في يسير من وجوه النطق والألفاظ، وكلها ترجع إلى تعليم النبي ﷺ نفسه.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح البخاري 3851، 4986، 4987، 4990، 4992، 4998، 5003، 5027
  2. جامعة برمنغهام: Birmingham Qur'an manuscript dated among the oldest in the world (22 يوليو 2015)
  3. ابن مجاهد، «كتاب السبعة في القراءات»
  4. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة

الصورة: Unknown calligrapher, Folio from the Blue Qurʾan (Sūrat al-Baqara 2:62), c. 950. Chester Beatty Library, Dublin (Is 1405A). Public domain, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور