هل خاض النبي محمد حروباً؟

سؤال رقم 1232

السؤال

هل خاض النبي محمد حروباً، ولماذا قاتل، وما الآداب التي التزمها في القتال؟

ملخص الجواب

صبر النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة على الاضطهاد في مكة دون أن يحمل السلاح. فلما هاجر إلى المدينة أذن القرآن للمظلومين أن يدافعوا عن أنفسهم (سورة الحج: 39)، فقاد أصحابه في معارك كبدر وأحد والخندق، وفق آداب تحمي النساء والأطفال ومن لا يقاتل. ثم قبل صلحاً شاقاً في الحديبية، ولما دخل مكة أمّن أهلها.

الجواب

الحمد لله

The green dome over the Prophet's resting place rises beside a silver dome and tall white minarets above the arcades of the mosque in Medina.

هل خاض النبي محمد ﷺ حروباً؟ نعم، في السنوات العشر الأخيرة من حياته، بعد أن أذن القرآن لجماعته المضطهدة أن تدافع عن نفسها. وكان قبل ذلك ثلاث عشرة سنة في مكة، يُسخَر منه ومن أتباعه، ويُقاطَعون ويُضرَبون ويُخرَجون من ديارهم، فلا يرفعون سيفاً. فلما قاتل، قاتل وفق آداب تحمي الأبرياء، وكان يختار السلم والعفو كلما عُرضا عليه.

هل خاض النبي ﷺ المعارك؟

نعم. فقد لخّص ابن عباس رضي الله عنهما سيرته فقال: أُنزل عليه الوحي وهو ابن أربعين، فمكث في مكة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر إلى المدينة فمكث بها عشر سنين (صحيح البخاري 3851). فمعاركه كلها في تلك السنين المدنية. وعدّ الصحابي زيد بن أرقم تسع عشرة غزوة خرج فيها النبي ﷺ بنفسه (صحيح البخاري 3949)، انتهى بعضها دون قتال. وأعظم معاركه بدر وأحد والخندق وحنين، وقد ذكر القرآن اثنتين منها باسمهما (سورة آل عمران: 123؛ سورة التوبة: 25).

وجاء الإذن الأول بالقتال مقروناً بعلّته:

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ

سورة الحج: 39

ثم تصف الآية التالية هؤلاء بأنهم ﴿ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ﴾ (سورة الحج: 40)، وتنبّه إلى أنه لولا هذا الدفع لهُدّمت صوامع الرهبان وكنائس النصارى ومعابد اليهود ومساجد المسلمين.

لماذا قاتل النبي ﷺ؟

حصر القرآن القتال فيمن يقاتل: ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْ﴾ (سورة البقرة: 190). فإن اعتزل العدو القتال وألقى السَّلَم، فقد قال تعالى: ﴿فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا﴾ (سورة النساء: 90).

ففي بدر لقيت فئة قليلة من المسلمين جيشاً مكياً يفوقها عدداً بكثير، ويذكّرهم القرآن بأن الله نصرهم وهم ضعفاء: ﴿وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞ﴾ (سورة آل عمران: 123). وفي أحد عادت قريش تطلب الثأر، فقُتل كثير من المسلمين. وفي الخندق حاصرت أحزاب القبائل المدينة نفسها، فحفر المسلمون حولها خندقاً يصدّونهم به. كانت تلك حروباً من أجل بقاء جماعة صغيرة أقسم أعداؤها على استئصالها. أما المعنى الكامل للجهاد، والقتال جزء ضيق منه، فمبيّن في جواب ما معنى الجهاد في الإسلام؟

ما آداب الحرب التي سنّها النبي ﷺ؟

لم يكن ﷺ يبعث جيشاً إلا أوصاه بالرحمة:

«اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تُمَثِّلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا»

سنن أبي داود 2613، وصححه الألباني

ولما وُجدت امرأة مقتولة بعد إحدى المعارك، نهى ﷺ «عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» (صحيح البخاري 3015). وكان يعلّم أصحابه: «لاَ تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ» (صحيح البخاري 3024). وأمر القرآن بإطلاق الأسرى إذا وضعت الحرب أوزارها: ﴿فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ (سورة محمد: 4)، وقد فُودي أسرى بدر وأُعيدوا إلى أهليهم.

ماذا حدث في الحديبية؟

بعد بضع سنين خرج النبي ﷺ مع أصحابه يريد العمرة، فصدّته قريش عن البيت. فآثر الصلح على القتال، وقبل شروطاً رأى فيها كثير من الصحابة ضيماً: أن يرجع المسلمون عامهم ذلك ثم يعودوا في العام المقبل. ولما أبى المكيون أن يُكتب في الوثيقة «رسول الله»، أمر بمحو اللقب، ووقّع الكتاب باسم «مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» (صحيح البخاري 2699). وفي طريق عودته سمّى القرآن هذا الصلح فتحاً: ﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا﴾ (سورة الفتح: 1).

كيف عامل النبي ﷺ أهل مكة حين عاد إليها؟

ولما نقضت قريش العهد سار إليها ﷺ بجيش كبير، فدخلها بقتال يسير، ونادى:

«مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلاَحَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ»

صحيح مسلم 1780

وكان أبو سفيان قد قاد جيوش مكة على النبي ﷺ سنين. فنالت المدينة التي اضطهدته وقتلت أصحابه عفوَه.

ماذا عن أشدّ الوقائع؟

وأصعب ما وقع في تلك السنين كان بعد حصار الخندق. فقد ظاهرت قبيلة بني قريظة اليهودية، وكانت تسكن المدينة، الأحزابَ المحاصِرة (سورة الأحزاب: 26). فلما استسلموا ردّ النبي ﷺ الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ، وهو سيد من سادات مسلمي المدينة، فحكم بأن تُقتل مقاتلتهم وتُسبى نساؤهم وذراريهم (صحيح البخاري 4122). وقد طال نقاش المؤرخين، مسلمين وغير مسلمين، في الأعداد الواردة في كتب السيرة المتأخرة، وفي أعراف الحرب في جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي التي صدر الحكم في ظلها. أما الحروب التي تلت، فقد بنى الفقهاء أحكامها على وصايا النبي ﷺ لجيوشه: حماية كل من لا يقاتل، والوفاء بالعهود، والرحمة بالأسرى.

نبي السلام في زمن الحرب

عاش النبي ﷺ في عصر كانت القبائل تتقاتل فيه من أجل البقاء. فقاتل حين اضطُرّ إلى القتال، واختار السلم كلما عُرض عليه، لأن القرآن أمره بذلك:

۞وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ

سورة الأنفال: 61

وتوفي ﷺ ودرعه مرهونة عند رجل يهودي بشيء من الشعير يطعم به أهله (صحيح البخاري 2916). والذين يقتلون المدنيين اليوم باسمه ينقضون كل أدب سنّه (هل تنظيم داعش من الإسلام؟). وسيرته مفصّلة في جوابَي هل الإسلام دين سلام؟ ومن هو النبي محمد؟. جعلنا الله من أهل السلام، أشداء في وجه الظلم، أسخياء بالعفو.

والله أعلم

أسئلة شائعة

كم غزوة غزا النبي ﷺ؟

قال الصحابي زيد بن أرقم إن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة (صحيح البخاري 3949). وانتهى عدد منها دون قتال، كالخروج إلى تبوك، وأكبر معاركه بدر وأحد والخندق وحنين.

هل كان النبي محمد ﷺ أمير حرب؟

لا. فقد صبر ثلاث عشرة سنة على الاضطهاد دون قتال، ولم يقاتل إلا بعد أن أذن القرآن للمظلومين أن يدفعوا عن أنفسهم، وقبل صلحاً بشروط شاقة، وعفا عن أهل مكة. وتوفي ودرعه مرهونة عند رجل يهودي بشعير يطعم به أهله (صحيح البخاري 2916).

هل أباح النبي ﷺ قتل النساء والأطفال في الحرب؟

لا. فلما رأى امرأة مقتولة بعد إحدى المعارك نهى عن قتل النساء والصبيان (صحيح البخاري 3015)، وأوصى قادة جيوشه ألا يقتلوا وليداً ولا يمثّلوا بقتيل (سنن أبي داود 2613).

هل يبيح الإسلام حرب الاعتداء اليوم؟

لا تبيح الشريعة القتال إلا دفعاً للعدوان، بإعلان من سلطة عامة مشروعة، وفي حدود أخلاقية صارمة. والاعتداء على المدنيين حرام، كما هو مبيّن في جواب «ما معنى الجهاد في الإسلام؟».

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. القرآن الكريم: البقرة 190، آل عمران 123، النساء 90، الأنفال 61، الحج 39-40، الأحزاب 26، محمد 4، الفتح 1
  2. صحيح البخاري 2699، 2916، 3015، 3024، 3851، 3949، 4122
  3. صحيح مسلم 1780؛ سنن أبي داود 2613
  4. ابن إسحاق، «سيرة رسول الله»، بترجمة ألفريد غيوم الإنجليزية: The Life of Muhammad (1955)

الصورة: TheHadiRahim, The Green Dome of the Prophet's Mosque, Medina, 2025. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور