هل يجوز للوالدين المسلمين ضرب أبنائهم؟
سؤال رقم 1141
السؤال
هل يجوز في الإسلام أن يضرب الوالدان أولادهما للتأديب، ومن ذلك ضربهم ليصلوا؟
ملخص الجواب
ضرب الأبناء حرام على القول الأرجح. فقد روت عائشة أن النبي ﷺ لم يضرب بيده أحداً قط، لا امرأة ولا خادماً (صحيح مسلم 2328)، وخدمه أنس صبياً عشر سنين فلم يسمع منه كلمة قاسية. والرواية في الصلاة عند العاشرة سبقتها سنوات من التعليم الرفيق، وأحاطتها قيود صارمة، وغاية السنة، أي ولدٌ يحب الصلاة، تُبلغ بالرحمة والقدوة.
الجواب
الحمد لله

إن كان أحد والديك يؤذيك فاتصل برقم الطوارئ في بلدك. وفي الولايات المتحدة يستطيع الصغار الاتصال بخط تشايلدهيلب (Childhelp) على الرقم 1-800-422-4453، وفي بريطانيا بخط تشايلدلاين (Childline) على الرقم 0800 1111.
نشأ كثير من المسلمين على الشبشب والحزام، وقيل لبعضهم إن ذلك من السنة. ولم يكن ذلك قط من هدي النبي ﷺ. والقول الأرجح أنه لا يجوز للوالدين المسلمين ضرب أبنائهم. فالنبي ﷺ لم يضرب طفلاً ولا امرأة ولا خادماً قط، وعلّم أن الرفق يزين كل شيء يكون فيه. والأولاد أمانة من الله، والسنة تبيّن كيف يُربَّون: بالحنان والقدوة والصبر.
هل ضرب النبي ﷺ طفلاً قط؟
لم يفعل. فقد قالت عائشة رضي الله عنها، وقد عاشت معه سنين:
«مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ خَادِمًا»
ولم تستثنِ إلا الجهاد في ساحة القتال. ودخل أنس بن مالك بيته صبياً، فخدمه عشر سنين، فقال: «وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ وَلاَ قَالَ لِي لِشَىْءٍ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَهَلاَّ فَعَلْتَ كَذَا» (صحيح مسلم 2309).
وكان النبي ﷺ يصلي وهو يحمل حفيدته أمامة على عاتقه، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها (صحيح البخاري 516). ولما تباهى رجل بأن له عشرة من الولد ما قبّل منهم أحداً، قال النبي ﷺ: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ» (صحيح البخاري 5997). ووضع ﷺ قاعدة لكل بيت:
«إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَىْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ»
ما معنى حديث «واضربوهم عليها لعشر»؟
روى أبو داود: «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (سنن أبي داود 495، وقال الألباني: حسن صحيح). وفهم كثير من الفقهاء المتقدمين منه جواز التأديب الخفيف على الصلاة، وأحاطوه بشروط: ألا يكون إلا بعد سنوات من التعليم، وألا يكون على الوجه، فقد نهى النبي ﷺ عن ضرب الوجه (صحيح مسلم 2612)، وألا يكون في الغضب، ولا بما يجرح.
والقول الأرجح يقرأ هذه الرواية في ضوء هدي النبي ﷺ نفسه. ففي مجتمع كان ضرب الأولاد فيه شائعاً، حصرت الرواية أي ضرب في أمر واحد وسنّ واحدة، بعد ثلاث سنوات كاملة من التعليم الرفيق. وكانت غايتها ولداً يحافظ على الصلاة. ويبيّن القرآن كيف تُبلغ هذه الغاية، في وصية لقمان الحكيم لابنه:
يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ
فلقمان يناديه «يا بُنيّ» تصغيراً وتحبباً، ويعلّمه بالحجة والمحبة. وقد وجدت أبحاث نمو الطفل أن العقاب البدني لا يصنع سلوكاً حسناً دائماً، وأنه مرتبط بالعدوانية والقلق وانكسار الثقة، وقد نصحت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال الوالدين سنة 2018 بتركه. وإذا كانت الوسيلة تهدم الغاية التي شُرعت لها، وهي محبة الصلاة ومحبة الله، فإن مقاصد الشريعة تسدّ هذه الوسيلة.
ماذا قال علماء المسلمين في القسوة على الأولاد؟
عقد المؤرخ والقاضي ابن خلدون (ت 808هـ/1406م) في «المقدمة» فصلاً في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم. ولاحظ أن الأولاد الذين يُربَّون بالقهر تذهب نفوسهم وينبعث فيهم الكسل، ويتعلمون الكذب والخداع هرباً من العقاب. وقد قال القرآن مثل ذلك في أمة النبي ﷺ نفسها:
فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَ
كيف يؤدب الوالدان المسلمان أولادهما دون ضرب؟
- علّموا بالقدوة. يتعلم الأولاد الصلاة حين يصلّون إلى جانب آبائهم (كيف أصلي في الإسلام خطوة بخطوة؟).
- أكثروا المدح على التصويب. انتبهوا لما يحسنه ولدكم، وقولوا له ذلك.
- اشرحوا القاعدة وعلّتها. لقد قدّم لقمان الحجة لابنه، والأولاد يستحقون الحجة كذلك.
- استعملوا عواقب هادئة. كالحرمان من ميزة، أو وقفة للتهدئة، أو إصلاح ما أفسده الولد.
- ابتعدوا عند الغضب. قال النبي ﷺ: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ» (سنن أبي داود 4782).
- اعدلوا بين أولادكم. فالتفضيل يجرح كما تجرح الضربة (هل يحرم على الوالدين تفضيل أحد أولادهما؟).
- اعتذروا حين تخطئون. فالوالد الذي يطلب الصفح يعلّم التوبة خيراً من أي موعظة.
ماذا لو ضربني أحد والديّ؟
من حقك أن تكون في أمان. وبرّ الوالدين لا يقتضي منك أبداً أن تقبل الأذى (هل يجب أن أطيع والديّ في كل شيء؟). فتحدّث إلى شخص بالغ تثق به، كقريب أو معلم أو إمام، واستعن بخطوط المساعدة المذكورة في أول هذا الجواب. فالعنف في البيت ظلم يدينه الإسلام (ماذا يفعل المسلم إذا تعرّض للعنف الأسري؟).
دعاء في الختام
دعا إبراهيم عليه السلام لذريته أن يحبوا الصلاة، وسأل الله ذلك:
رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ
جعل الله كل بيت مسلم مكاناً يأمن فيه الأولاد، ويُحَبّون، وتجذبهم فيه الرحمة إليه سبحانه.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يحرم على أمي أو أبي أن يضربني؟
نعم على القول الأرجح. فقد أُمر الوالدان بمعاملة الأولاد بالرحمة، ولم يضرب النبي ﷺ طفلاً قط. وإن كنت تتعرض للأذى فأخبر شخصاً بالغاً تثق به، واتصل بخط لمساعدة الأطفال أو برقم الطوارئ في بلدك.
أليس في الحديث ضرب الأولاد على الصلاة في العاشرة؟
ورد ذلك في رواية في سنن أبي داود (495)، بعد ثلاث سنوات من التعليم الرفيق. وقد أحاطه الفقهاء بقيود صارمة، ولما كان الضرب يجعل الأولاد يخافون الصلاة ويكرهونها، فإنه يهدم الغاية التي قصدها الحديث.
ماذا يقول المذهب الحنفي في تأديب الأولاد؟
أجاز فقهاء الحنفية وغيرهم من المتقدمين التأديب الخفيف ضمن قيود صارمة: لا على الوجه، ولا في الغضب، ولا بما يجرح. والقول الأرجح اليوم يتبع هدي النبي ﷺ نفسه، فهو لم يضرب طفلاً قط.
كيف أؤدب ولدي في الإسلام؟
علّم بالقدوة، وامدح الحسن، واشرح القواعد، واستعمل عواقب هادئة، وابتعد حين تغضب. فقد قال النبي ﷺ إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح مسلم 2328، 2309، 2594
- سنن أبي داود 495 (تعليم الأولاد الصلاة)
- صحيح البخاري 516، 5997
- ابن خلدون، «المقدمة»، فصل في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم
- الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (American Academy of Pediatrics)، Effective Discipline to Raise Healthy Children (Pediatrics، 2018)
الصورة: Ottoman tile makers, Iznik tile panel, second half of the 16th century. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور