هل يجوز للمرأة زيارة القبور وحضور الجنازة؟
سؤال رقم 1150
السؤال
هل يجوز للمسلمة أن تزور قبور أحبتها، وأن تصلي صلاة الجنازة، وأن تحضر الدفن؟
ملخص الجواب
يجوز للمرأة أن تزور القبور، وأن تصلي صلاة الجنازة، وأن تقف عند الدفن. فقد رفع النبي ﷺ نهيه الأول عن زيارة القبور، وعلّم عائشة رضي الله عنها ما تقوله في البقيع (صحيح مسلم 974)، وزارت عائشة قبر أخيها في مكة. وذكر الترمذي أن كثيراً من أهل العلم رأوا حديث النهي عن زيارة النساء منسوخاً بهذه الرخصة. والمعتمد عند الحنفية أن استحباب الزيارة يشمل النساء.
الجواب
الحمد لله

ابنةٌ فقدت أمها، وأرملة، وأخت: كم من امرأة قيل لها أن تبقى في البيت بينما يحمل الرجال الجنازة ويقفون عند القبر. والقول الأرجح أن للمرأة أن تزور القبور، وأن تصلي صلاة الجنازة، وأن تمشي مع الجنازة، وأن تقف عند الدفن. فقد رفع النبي ﷺ نهيه الأول عن زيارة القبور عن الجميع، وعلّم زوجه عائشة الكلمات التي تقولها في المقبرة، وواسى امرأة مفجوعة وجدها عند قبر.
هل يجوز للمرأة زيارة القبور في الإسلام؟
نهى النبي ﷺ عن زيارة القبور في أول الإسلام، ويبيّن العلماء أن ذلك كان لقرب عهد الناس بعادات النياحة في الجاهلية. ثم رفع النهي فقال:
«نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»
والخطاب هنا للأمة كلها، وقد علّم النبي ﷺ بنفسه امرأةً كيف تنتفع بهذه الرخصة. ففي ليلة تبعته عائشة رضي الله عنها إلى البقيع، مقبرة المدينة، فرأته يطيل القيام بين القبور ويرفع يديه ثلاث مرات. فلما أخبرها أن جبريل أمره أن يأتي أهل البقيع فيستغفر لهم، سألته كيف تقول لهم، فقال:
«قُولِي السَّلاَمُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاَحِقُونَ»
ومرّ ﷺ مرةً بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: «اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي». فردّت عليه بجفاء وهي لا تعرفه، ثم جاءت إلى بابه بعد ذلك تعتذر، فقال لها: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى» (صحيح البخاري 1283). فخاطب حزنها، ولم يقل شيئاً في إنكار حضورها عند القبر.
وقد عملت عائشة بهذا التعليم. فلما مات أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر ودُفن في مكة، أتت قبره وأنشدت عنده أبياتاً من الشعر (جامع الترمذي 1055، بإسناد ضعيف). وفي رواية أخرجها الحاكم في «المستدرك» وصححها الألباني، رآها ابن أبي مليكة راجعة من المقبرة، فسألها: أما كان النبي ﷺ قد نهى عن زيارة القبور؟ فقالت: نهى عنها، ثم أمر بها.
ماذا عن حديث لعن زائرات القبور؟
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ «لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» (جامع الترمذي 1056). وقد قال الترمذي إنه حديث حسن صحيح، ثم كتب بعده أن بعض أهل العلم رأوا أن هذا كان قبل أن يرخّص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلما رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء. وأضاف أن بعضهم كره الزيارة للنساء خشية الجزع الشديد. وصيغة «زوّارات» صيغة مبالغة، تصف النساء اللواتي يكثرن التردد على القبور بلا انقطاع، وكثير من العلماء الذين أبقوا الحديث على ظاهره حملوه على هذا الإفراط.
وقد وازنت المذاهب بين هذه النصوص على وجوه مختلفة. فكتب الحنفية المعتمدة، ومنها «الدر المختار» للحصكفي في القرن السابع عشر، تستحب زيارة القبور «ولو للنساء»، مستدلة بقوله ﷺ «فزوروها». وذهب فقهاء الشافعية والحنابلة في الجملة إلى أن زيارة النساء للقبور مكروهة كراهة خفيفة، ومع ذلك استحب الشافعية للنساء زيارة قبر النبي ﷺ في المدينة. وفي الفقه الجعفري تُعدّ زيارة قبور الأهل ومشاهد آل بيت النبي ﷺ عبادة محبوبة للنساء والرجال. والقدر المشترك بين المذاهب كلها هو تحريم النياحة وشق الثياب وكلمات السخط، وهو حكم يلزم الرجال والنساء على السواء.
هل يجوز للمرأة حضور الجنازة وصلاة الجنازة؟
قالت أم عطية رضي الله عنها: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» (صحيح البخاري 1278). فقد كانت نساء المدينة يفرّقن بين النهي الجازم والنهي الخفيف، وقد بيّنت أن هذا النهي من النوع الثاني.
وكانت النساء يصلّين على الموتى. فلما مات سعد بن أبي وقاص طلبت عائشة أن يُمرّ بجنازته في المسجد لتصلي عليه هي وسائر أزواج النبي ﷺ. فلما أنكر الناس ذلك قالت: «مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ» (صحيح مسلم 973). وفي كثير من المجتمعات اليوم تصلي النساء صلاة الجنازة في المسجد ويقفن عند الدفن مع أسرهن. وخطوات الغسل والتكفين والصلاة والدفن مفصّلة في جواب ماذا يفعل المسلمون عند الوفاة، من صلاة الجنازة إلى الدفن؟، ومكان المرأة في المسجد في جواب هل يجوز للمرأة الذهاب إلى المسجد؟
هل يجوز للمرأة أن تبكي عند القبر أو في الجنازة؟
الدموع رحمة. فلما كان ابنه الرضيع إبراهيم يجود بنفسه، دمعت عينا النبي ﷺ وقال: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا» (صحيح البخاري 1303). والقرآن يعطي كل مفجوع، امرأة كان أو رجلاً، كلماتٍ يقولها ساعة المصيبة:
ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ
وفي الحزن مزيد بيان في جواب هل يحرم البكاء على الميت؟، وفي حياة الروح بعد الموت في جواب ماذا يحدث بعد الموت في الإسلام؟
دعاء في الختام
إذا وقفتِ عند قبر من تحبين، فسلّمي عليه بالكلمات التي علّمها النبي ﷺ عائشة، وادعي بما علّمه القرآن:
رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ
ملأ الله قبورهم نوراً، وجمعكِ بهم في رحمته.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يجوز للحائض زيارة القبور؟
نعم. فزيارة القبر والسلام على الموتى والدعاء لهم لا تشترط لها الطهارة. والحائض لا تدخل في صلاة الجنازة نفسها، لكنها تقف مع المشيّعين وتدعو للميت بكلماتها.
هل يجوز للمرأة أن تصلي صلاة الجنازة؟
نعم. فصلاة الجنازة تصح من النساء باتفاق المذاهب، وقد طلبت عائشة رضي الله عنها أن يُمرّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد لتصلي عليه هي وسائر أزواج النبي ﷺ.
ما قول الحنفية في زيارة النساء للقبور؟
تنص كتب الحنفية المعتمدة، ومنها «الدر المختار» للحصكفي، على استحباب زيارة القبور للنساء كما للرجال، أخذاً بقول النبي ﷺ «فزوروها».
هل يجوز للمرأة زيارة القبور عند الشيعة؟
نعم. ففي الفقه الجعفري تُعدّ زيارة قبور الأهل ومشاهد آل بيت النبي ﷺ عبادةً عزيزة على النساء والرجال جميعاً.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح مسلم 973، 974، 977
- جامع الترمذي 1055، 1056، مع تعليق الترمذي
- صحيح البخاري 1278، 1283، 1303
- الحاكم النيسابوري، «المستدرك»، رواية ابن أبي مليكة في زيارة عائشة قبر أخيها
- الحصكفي، «الدر المختار»، باب صلاة الجنازة
الصورة: Bgag, The Shah-i-Zinda necropolis, Samarkand, 2023. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور