هل التخيل وأحلام اليقظة في شخص ما حرام؟
سؤال رقم 1130
السؤال
هل يأثم المسلم إذا سرح بخياله أو تخيّل شخصاً ينجذب إليه؟
ملخص الجواب
أحلام اليقظة والتخيلات جزء من طبيعة الإنسان، ولا يحاسب الله عليها. فقد أخبر النبي ﷺ أن الله تجاوز لأمته عما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم (صحيح البخاري 5269)، وقال القرآن لمن يرجون الزواج إن الله يعلم أنهم سيذكرون من يرغبون فيهن (سورة البقرة: 235). والعبرة بما يصنعه المرء بهذا الشعور، وهل يضرّ به أحداً.
الجواب
الحمد لله

لا يكاد أحد يسلم من أن يسرح بخياله في شخص ما: وجهٌ يعود إلى الذهن، وحديثٌ يتكرر في النفس، ومستقبلٌ يتخيله المرء معه. وقد ينقلب الخيال أحياناً إلى رغبة. وكثير من المسلمين يشعرون بالذنب من خواطر لم يختاروها، فيسألون: هل التخيل حرام؟ وجواب السنة في ذلك رحيم واضح: فالله لا يؤاخذ الإنسان بما يمرّ بذهنه وقلبه، وإنما يتعلق ما يطلبه منا بما نفعل وما نقول.
هل التخيل في شخص ما حرام في الإسلام؟
قال النبي ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»
وقد خاف الصحابة مرةً عكس ذلك. فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُ﴾ (سورة البقرة: 284)، أتوا النبي ﷺ وجثوا على ركبهم، وقالوا إن هذا فوق طاقتهم. فعلّمهم أن يقولوا: «سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا». ثم أنزل الله خواتيم سورة البقرة: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ (سورة البقرة: 286)، وأجاب كل دعوة من دعواتهم بقوله: «قَدْ فَعَلْتُ» (صحيح مسلم 126).
ماذا يقول القرآن في التفكير فيمن ترجو الزواج به؟
يتحدث القرآن عن هذا الأمر بعينه برفق وحنان. فهو يخاطب الرجال الذين يرغبون في الزواج من أرملة لم تنقضِ عدّتها بعد، فيقول:
وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ
فالله يسمّي الشوق الخفي في القلب باسمه، ويرفع عنه الحرج. بل إن القرآن يصف يوسف عليه السلام بأنه وجد في نفسه ميلاً إلى المرأة التي راودته لولا أن رأى برهان ربه: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦ﴾ (سورة يوسف: 24). وقد فهم كثير من المفسرين ذلك على أنه الميل العابر الذي في طبيعة البشر، ولم يعمل به يوسف قط.
ماذا قال العلماء في الخواطر والرغبات؟
ميّز الإمام الغزالي (ت 505هـ/1111م) في كتاب شرح عجائب القلب من «إحياء علوم الدين» بين مراتب ما يتحرك في النفس. فالخاطر وميل الطبع يأتيان بغير اختيار منا، ولا يُكلَّف أحد بدفعهما. وإنما تبدأ المؤاخذة بالعزم الجازم على المعصية. وحتى عندئذ يبقى باب الرحمة مفتوحاً، كما روى النبي ﷺ عن ربه:
«وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً»
ووصف النبي ﷺ كيف تسري الرغبة في الإنسان فقال: «وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ» (صحيح البخاري 6243). وقال ابن عباس رضي الله عنهما إنه لم يرَ شيئاً أشبه باللمم من هذا الحديث، واللمم في القرآن صغائر الذنوب التي تسعها مغفرة الله الواسعة: ﴿إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ﴾ (سورة النجم: 32). وتمنّي النفس يقع في أول هذه السلسلة، في دائرة العفو.
ونبّه بعض العلماء إلى الحذر من الاسترسال عمداً في التفكير في شخص بعينه لا سبيل إليه، كزوجة غيرك أو زوجها، وكره بعض الفقهاء المتأخرين أن يتخيل المرء غير زوجه في أثناء المعاشرة. وهذه نصائح تحفظ العلاقات الحقيقية، وجديرة بأن يأخذ بها المرء، غير أنها لا تجعل شرود الذهن معصية.
متى يصبح التخيل مشكلة؟
- حين ينتقل إلى فعلٍ يظلم أحداً. فملاحقة شخص متزوج، أو خداع أحد، أو الضغط على أي إنسان ليقبل علاقة حميمة، كل ذلك يحوّل الخاطرة الخاصة إلى أذى.
- حين يعامل إنساناً حقيقياً كأنه شيء. فلكل إنسان الكرامة التي كرّم الله بها بني آدم (سورة الإسراء: 70). والخيال الذي يولّد في النفس شعوراً بالاستحقاق أو الاحتقار تجاه أناس حقيقيين يحتاج إلى تقويم.
- حين يطغى على حياتك. فإن كانت أحلام اليقظة تستهلك الساعات، أو تشغلك عن صلاتك ودراستك ونومك، أو تحول بينك وبين علاقات حقيقية، فتحدّث إلى مرشد نفسي. فأحلام اليقظة المستمرة يمكن تخفيفها بالمساعدة.
- حين تضرّ بزواجك. فالزوجان يدين كلٌّ منهما للآخر بالوفاء والاهتمام. أما داخل الزواج فالرغبة والخيال اللذان تتقاسمهما مع زوجك نعمة (سورة البقرة: 187).
والخواطر المتعلقة بشخص من الجنس نفسه يجري عليها الحكم ذاته (هل المثلية حرام؟). وفي أسئلة قريبة من هذا الباب أجوبةٌ في هل الإعجاب بشخص حرام؟ وهل العادة السرية حرام؟ وهل التعارف والمواعدة قبل الزواج حرام؟.
ماذا أفعل بأحلام اليقظة؟
دع الخواطر العابرة تمضي بلا شعور بالذنب. واجعل الشوق دعاءً تسأل الله فيه رفيقاً صالحاً وحياة طيبة. وإن كنت ترجو الزواج بشخص ما فاسعَ إلى ذلك بالطريق الكريم. وإن كنت قد عملت بخيالٍ ما على نحو تندم عليه، فمغفرة الله أوسع من كل خطأ (هل يغفر الله جميع الذنوب؟).
كلمة في الختام
يخبرنا القرآن أن الذي يعلم كل ما توسوس به نفوسنا هو الأقرب إلينا:
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ
فهو يرى القلب كله، بأشواقه، بعين الرحمة. ملأ الله قلبك بالخير، وساق آمالك إلى ما يرضيه.
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل يحرم التخيل في الزوج أو الزوجة في المستقبل؟
لا. فالقرآن نفسه يقرّ بأن من يرجون الزواج يفكر بعضهم في بعض (سورة البقرة: 235). فاجعل هذا الرجاء يدفعك إلى زواج صالح وإلى الدعاء.
هل التخيل في نهار رمضان حرام؟
الخواطر التي تمرّ بالذهن لا تُفطر. فقد قرر الفقهاء أن الصيام يفسد بالأفعال المتعمدة، ومن وجد ذهنه يشرد وهو صائم فليصرفه برفق إلى الذكر.
هل يحرم أن يتخيل المرء زوجه؟
لا. فالرغبة والخيال بين الزوجين نعمة، وقد جعل القرآن كلاً من الزوجين لباساً للآخر (سورة البقرة: 187).
ماذا لو تخيلت شخصاً متزوجاً؟
الخاطرة العابرة لا لوم فيها، لكن لا تغذّها ولا تعمل بها. احفظ مسافة الاحترام، وصُن زواجه، ودع الشعور يخبو.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 5269، 6491، 6243
- صحيح مسلم 125، 126
- الغزالي، «إحياء علوم الدين»، كتاب شرح عجائب القلب
الصورة: Ayyoubsabawiki, Morning light in the Nasir al-Mulk Mosque, Shiraz, 2015. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور