ما هي الغيبة، ولماذا حرّمها الإسلام؟

سؤال رقم 1172

السؤال

ما الذي يُعدّ غيبة على وجه الدقة، ولماذا حُرّمت، ومتى يجوز الكلام عن شخص غائب؟

ملخص الجواب

الغيبة ذكرك أخاك في غيبته بما يكره ولو كان ما تقوله حقاً، فإن كان كذباً فهو البهتان. وقد شبّهها القرآن بأكل لحم الأخ ميتاً (سورة الحجرات: 12). وأجاز العلماء الكلام عن الغير للتظلّم، وللاستعانة، وللاستفتاء، وللتحذير والنصيحة. وتُمحى بالتوبة، وباستحلال صاحبها حيث يُصلح ذلك، وبذكره بالخير.

الجواب

الحمد لله

Looking straight up into a tiled dome: rows of lemon-shaped medallions in gold and blue grow smaller as they spiral toward a bright center.

الغيبة أن تتكلم عن غائب بما يكره لو سمعه. وهي حرام، وقد صوّرها القرآن بواحد من أشد أمثاله وقعاً في النفس. وكل مسلم يعرف هذه الكلمة، ويخشى كثيرون أن يكون كل ذكر لإنسان آخر غيبة. غير أن التعريف الذي ذكره النبي ﷺ دقيق محدَّد، وقد استنبط العلماء من هديه ﷺ نفسه أحوالاً يجوز فيها الكلام عن الغير، بل يحسن.

ما هي الغيبة في الإسلام؟

سأل النبي ﷺ أصحابه: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ»، ثم أجاب عن سؤاله بنفسه، ولما سأله أحدهم عمّا لو كان ما يقوله في أخيه حقاً، فرّق بين الحالين:

«ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» … «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ»

صحيح مسلم 2589

ومن هذا التعريف تتفرّع ثلاث آفات متقاربة من آفات اللسان. فالغيبة خبر صادق يؤذي صاحبه. والبهتان خبر كاذب، وهو أشد. والنميمة نقل الكلام من شخص إلى آخر للإفساد بينهما، وقد أخبر النبي ﷺ أنه «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» (صحيح البخاري 6056)، والقتّات هو النمّام. وعدّ الإمام الغزالي (ت 505هـ/1111م) في كتاب آفات اللسان من «إحياء علوم الدين» المحاكاةَ على وجه السخرية، والإشارةَ المفهِمة، والكتابةَ، من صور الغيبة أيضاً. ويدخل في ذلك اليوم لقطةُ شاشة تتناقلها مجموعة محادثة.

ماذا يقول القرآن عن الغيبة؟

تجمع سورة الحجرات ثلاث آفات يغذّي بعضها بعضاً، هي سوء الظن والتجسس والغيبة، ثم تضرب لها هذا المثل:

وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُ

سورة الحجرات: 12

وفي هذا المثل درسان: فالغائب كالميت لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، والمغتاب إنما يأكل من لحم أهله. ثم تُختم الآية بالرجاء: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ﴾ (سورة الحجرات: 12). وتُفتتح سورة أخرى بقوله تعالى: ﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾ (سورة الهمزة: 1).

لماذا كانت الغيبة ذنباً عظيماً؟

علّم النبي ﷺ أمته أن دم المسلم وماله وعرضه حرام على كل مسلم، فقال: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» (صحيح مسلم 2564). والقرآن يجعل الكرامة لكل إنسان: ﴿۞وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ﴾ (سورة الإسراء: 70). والغيبة تسلب شيئاً نفيساً ممن ليس حاضراً ليحميه. ولما عُرج بالنبي ﷺ إلى السماء في المعراج رأى قوماً لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم، فقيل له إنهم الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم (سنن أبي داود 4878، وصححه الألباني).

والغيبة تضر المغتاب نفسه أيضاً. فهي تقسّي القلب، وتنشر الريبة في الجماعة، وتجعل الأصدقاء خصوماً. وقد دلّ النبي ﷺ على طريق أرفق، فقال: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (صحيح البخاري 2442).

متى يجوز الكلام عن الآخرين؟

جمع الإمام النووي (ت 676هـ/1277م) رحمه الله في «رياض الصالحين» ستة أحوال يباح فيها الكلام عن الغائب، وكلها مأخوذة من القرآن والسنة:

  • التظلّم. للمظلوم أن يشكو ظلمه إلى القاضي أو صاحب السلطان أو كل من يقدر على إنصافه. وقد استثنى القرآن من ذمّ الجهر بالسوء من القول ﴿إِلَّا مَن ظُلِمَ﴾ (سورة النساء: 148).
  • الاستعانة على دفع الظلم. أن تخبر من يقدر على التدخل، وأنت تقصد رفع الأذى.
  • الاستفتاء. شكت هند بنت عتبة إلى النبي ﷺ أن زوجها أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيها ما يكفيها ويكفي ولدها، فأجابها عن سؤالها ولم ينكر عليها (صحيح البخاري 5364).
  • التحذير والنصيحة. لما استشارت فاطمة بنت قيس النبيَّ ﷺ في رجلين خطباها، أخبرها بصراحة أن أحدهما شديد على النساء وأن الآخر لا مال له (صحيح مسلم 1480). ومن هذا الباب الشهادة في شأن من يُراد توظيفه، أو مشاركته في تجارة، أو الزواج منه.
  • المجاهرة. وصف ما يفعله المرء علانية وبلا حياء، مع الاقتصار على ذلك الفعل وحده.
  • التعريف. ذكر الإنسان بوصف يُعرف به إذا لم يكن سبيل غيره إلى بيان المقصود، من غير قصد التنقّص.

ولهذه الرخص شأن كبير اليوم. فالمرأة التي تصف إساءة زوجها إليها لمرشد أو إمام أو للشرطة إنما تتظلّم وتطلب العون (ماذا يفعل المسلم إذا تعرّض للعنف الأسري؟). وإن كنت في خطر في بيتك فاتصل برقم الطوارئ المحلي أو بخط مساعدة لضحايا العنف الأسري. والحديث مع معالج نفسي عن أهلك طلبٌ للعون (هل يجوز للمسلم أن يذهب إلى معالج نفسي؟). وتحذير الناس ممن يتربّص بالأطفال واجب من واجبات الرعاية.

كيف أتوب من الغيبة؟

  • أقلِع واستغفر الله. فالتوبة تمحو ما قبلها (هل يغفر الله جميع الذنوب؟).
  • استحلّ صاحبها حيث يُصلح ذلك. فإن كان إخباره لن يزيد على أن يفتح في قلبه جرحاً جديداً، فقد رأى كثير من العلماء أنه يكفيك أن تدعو له، وأن تذكره بالخير في المجالس التي ذكرته فيها بالسوء.
  • صحّح البهتان. إن كان ما قلته كذباً، فبيّن الحق لمن سمعوه منك.
  • دافع عن الغائب. قال النبي ﷺ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (جامع الترمذي 1931، وصححه الألباني).
  • احذر الآفات المجاورة. فالكذب والكلام الجارح يصحبان الغيبة (هل الكذب حرام؟ وما حكم الكذبة البيضاء؟، هل اللعن والسب حرام؟).

دعاء لقلب سليم

يعلّمنا القرآن دعاءً لا يبقى معه موضع للغيبة:

رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ

سورة الحشر: 10

اللهم اجعلنا ممن يسترون العيوب، ويذكرون الغائب بخير، ويلقون كل أخ وأخت بقلب سليم.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يكون الكلام غيبة إذا كان صحيحاً؟

نعم. فقد عرّف النبي ﷺ الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره، وقال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه (صحيح مسلم 2589).

هل سماع الغيبة حرام؟

يشارك السامع في الإثم إذا استمتع بها وتركها تمضي. فغيّر الحديث، أو دافع عن الغائب، أو انصرف. وقد وعد النبي ﷺ من ردّ عن عرض أخيه أن يردّ الله عن وجهه النار (جامع الترمذي 1931).

هل حديثي مع المعالج النفسي عن أهلي غيبة؟

لا. فطلب العون والمشورة والفتوى من الأحوال التي أجازها العلماء، وقد استمع النبي ﷺ إلى هند بنت عتبة وهي تصف شحّ زوجها لتسأله ماذا تفعل.

هل الغيبة من الكبائر؟

عدّها كثير من العلماء من الكبائر، لما صوّرتها به آية الحجرات (سورة الحجرات: 12)، ولما ورد فيها من وعيد في الأحاديث. وهي كسائر الذنوب، يغفرها الله لمن تاب وأصلح ما استطاع إصلاحه.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. صحيح مسلم 2589 (تعريف الغيبة)
  2. النووي، «رياض الصالحين»، باب ما يباح من الغيبة
  3. الغزالي، «إحياء علوم الدين»، كتاب آفات اللسان
  4. صحيح البخاري 5364 (هند بنت عتبة) وصحيح مسلم 1480 (فاطمة بنت قيس)

الصورة: Phillip Maiwald (Nikopol), The inner dome of the Sheikh Lotfollah Mosque, Isfahan, 2008. CC BY-SA 3.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور