هل يجوز للمسلم لمس لحم الخنزير، أو طبخه وبيعه لغيره؟
سؤال رقم 1238
السؤال
هل يجوز للمسلم أن يلمس لحم الخنزير، أو يطبخه لأهله أو زبائنه من غير المسلمين، أو يبيعه في إطار عمله؟
ملخص الجواب
لمس لحم الخنزير لا إثم فيه، لأن القرآن حرّمه طعاماً، ووجّه التحريم إلى من يطعمه (سورة الأنعام: 145). ويرى أكثر الفقهاء أنه نجس، فيغسله المسلم قبل الصلاة، ويرى المالكية أن الخنزير الحي نفسه طاهر. وطبخه وتقديمه لغير المسلمين في العمل أو في البيت جائز على القول الأرجح، أما أن يتخذ المسلم الخنزير تجارةً له فتلك الصورة التي يتناولها حديث البيوع المحرمة.
الجواب
الحمد لله

يرتّب المسلمون رفوف المتاجر الكبرى، ويطبخون في مطابخ المستشفيات والمطاعم، ويعيشون في بيوت واحدة مع آباء وأمهات وأزواج وأبناء من غير المسلمين. وكثير منهم يلمسون لحم الخنزير كل أسبوع، ويتساءلون: هل يمسّ ذلك أيديهم أو صلاتهم أو كسبهم؟ وجواب القرآن واضح رفيق. فقد حرّم الله أكل لحم الخنزير، وكل آية في هذا الباب تتحدث عن الطعام. فللمسلم أن يلمس لحم الخنزير ولا إثم عليه، وغسل اليدين قبل الصلاة يعيد إليهما الطهارة. أما طبخه وتقديمه للآخرين في إطار العمل فجائز على القول الأرجح، وأما أن يتخذه المسلم تجارة له فتلك الصورة التي يتناولها الحديث مباشرة.
هل يحرم لمس لحم الخنزير؟
ذكر القرآن لحم الخنزير بين الأطعمة المحرمة في أربعة مواضع (سورة البقرة: 173، وسورة المائدة: 3، وسورة الأنعام: 145، وسورة النحل: 115)، والكلام في كل منها عن الأكل. وأدقّها عبارةً آية سورة الأنعام:
قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ
فالتحريم موجّه إلى ﴿طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ﴾ (سورة الأنعام: 145). ولا توجد آية ولا حديث صحيح يحرّم لمس الخنزير أو حمل لحمه. فالمسلم الذي يرفع علبة من لحم الخنزير المقدد إلى الرف، أو يحمل فخذ خنزير إلى مائدة أحد أقاربه، أو يرفع صحناً عن المائدة، لم يفعل شيئاً مما حرّم الله. أما لماذا حرّم الله الخنزير طعاماً، وما الرحمة التي جعلها إلى جانب هذا الحكم، فمبيّن في جواب لماذا حرّم الله لحم الخنزير؟
هل لحم الخنزير نجس، وكيف أتطهّر بعد لمسه؟
الطهارة مسألة غير مسألة الإثم. فأكثر الفقهاء يعدّون لحم الخنزير نجساً كالدم، فيُغسل عن البدن والثياب قبل الصلاة. ويرى المالكية أن كل حيوان حي طاهر، ومنه الخنزير الحي. ويعدّ الشافعية، تبعاً لما في «منهاج الطالبين» للإمام النووي، الخنزيرَ من النجاسات العينية. ومن الفقهاء من يُلحق الخنزير بالكلب في الغسل سبعاً، وهو ما جاءت به السنة في الإناء إذا ولغ فيه الكلب (صحيح مسلم 279)، ومنهم من لا يطلب إلا الغسل بالماء حتى يزول الأثر، وهي القاعدة المعتادة في كل نجاسة.
وفي الحياة اليومية يرجع ذلك إلى عادات يسيرة:
- اغسل يديك بالماء والصابون بعد لمس لحم الخنزير النيء وقبل الصلاة. أما العبوات المغلقة فلا تترك على اليد شيئاً.
- القفازات للتيسير. البسها إن شئت، ولا شيء يوجبها.
- وضوؤك باقٍ. فلمس لحم الخنزير لا ينقضه. وإن أصاب لحم الخنزير النيء جلدك أو ثيابك فاغسل موضعه.
- اغسل الأواني جيداً إذا استُعملت للحم الخنزير قبل أن تستعملها لطعامك.
هل يجوز للمسلم أن يطبخ لحم الخنزير لغير المسلمين؟
يطبخ المسلمون في المستشفيات والمدارس ودور الرعاية والمطاعم التي تخدم الجميع، ويعيش كثير منهم مع أفراد من أسرهم ليسوا مسلمين. والذنب الذي سمّاه الله هو أن يأكل المسلم لحم الخنزير. أما المسيحيون وغيرهم فيأكلونه حلالاً بمقتضى دينهم، والقرآن يجعل كل نفس مسؤولة عن عملها:
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ
وقد عدّ فقهاء الحنفية الخنزير والخمر مالاً متقوَّماً في أيدي غير المسلمين الذين تبيحهما لهم أديانهم، ورأى الإمام أبو حنيفة (ت 150هـ/767م) رحمه الله أن المسلم الذي يستأجره غير مسلم لحمل الخمر تحلّ له أجرته. وتفصيل هذا التعليل في جواب هل يجوز للمسلم العمل في مكان يبيع الخمر أو لحم الخنزير؟ وإعداد الطعام لزبون أو لفرد من الأسرة قائم على الأساس نفسه. فالمسلم الذي يرعى أباه أو أمه من غير المسلمين، أو الذي تزوّج من غير المسلمين، يُحسن إليهم حين يطبخ لهم الطعام الذي يحبونه.
ولا ينبغي للطاهي المسلم أن يتذوق أطباق الخنزير. فبوسع زميل له أن يتحقق من التتبيل، ويمكن اتباع الوصفات بالمقادير، وأكثر المطابخ ترتّب ذلك عن طيب خاطر.
هل يجوز للمسلم بيع لحم الخنزير؟
تكلّم النبي ﷺ عن التجارة في الخنزير بمكة عام الفتح، فقال:
«إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ»
والحديث يتناول التاجر الذي يتّجر في هذه السلع ويتخذها عمله. أما الموظف على صندوق الدفع، أو عند قسم اللحوم الباردة، أو في شاحنة التوصيل، فحاله غير حاله: فهو يأخذ أجراً على عمل مباح، ولحم الخنزير سلعة واحدة بين آلاف السلع التي تمر بين يديه. وهنا تنطبق القاعدة الفقهية «العبرة للغالب»، ومعها واجب الإنفاق على الأسرة.
والمسلم الذي يملك متجراً أو مطعماً أقرب إلى الصورة التي في الحديث. والأولى أن يقيم تجارته على سلع أخرى، كما فعل كثير من أصحاب البقالات والمطاعم المسلمين. ومن ورث تجارة مختلطة، أو لم يستطع تغييرها بعدُ، فله أن يعمل بثبات على إخراج لحم الخنزير منها، وأن يتصدق بربحه منه في أثناء ذلك، وأن يتوكل على ربه، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا﴾ (سورة البقرة: 286).
ماذا عن جلد الخنزير والجيلاتين وطعام الحيوانات الأليفة؟
- الجلد. قال النبي ﷺ: «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» (صحيح مسلم 366). واختلف الفقهاء في دخول جلد الخنزير في ذلك. ولمسه كلمس لحمه لا إثم فيه، ومن شاء من المسلمين اختار جلداً غيره.
- الجيلاتين والدواء. للجيلاتين الخنزيري في الكبسولات واللقاحات بحث مستقل، ومنه مبدأ الاستحالة: انظر هل الجيلاتين حلال؟
- طعام الحيوانات الأليفة. الحيوانات غير مكلّفة بالشريعة. فللقطط والكلاب أن تأكل طعاماً فيه لحم خنزير، والإحسان إليها أجر في ذاته (هل يجوز للمسلم تربية الكلب؟).
الأكل من الطيبات
أحكام الطعام في القرآن تصبغ حياة المسلم اليومية بذكر الله، ولم يُرَد بها قط أن يقلق المؤمن في عمله أو يتحرّج على مائدة أهله. فخذ بها بقلب خفيف، وأكرم غيرك، واشكر الرزّاق:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ
والله أعلم
أسئلة شائعة
هل لمس لحم الخنزير ينقض الوضوء؟
لمس لحم الخنزير لا ينقض الوضوء. اغسل ما أصابه لحم الخنزير النيء من جلدك أو ثيابك قبل أن تصلي، وصلاتك صحيحة.
هل يحرم العمل في قسم اللحوم أو المأكولات الباردة الذي يبيع لحم الخنزير؟
الموظف الذي يخدم الزبائن من كل الأديان يأخذ أجراً على عمل مباح، والقول الأرجح جوازه. واطلب قفازات أو موضع عمل آخر إن شئت، واحرص على ألا تتذوق لحم الخنزير بنفسك.
هل يجوز أن أطعم قطتي أو كلبي طعاماً فيه لحم خنزير؟
الحيوانات غير مكلّفة بأحكام الشريعة، فتحريم أكل الخنزير لا يتناولها. فلك أن تشتري هذا الطعام وتقدمه لها، واغسل يديك بعده إن كان رطباً.
هل يجب لبس القفازات عند لمس لحم الخنزير؟
القفازات وسيلة للتيسير، ولا تجب أبداً. ويكفي الغسل بالماء بعد لمس لحم الخنزير النيء.
أسئلة ذات صلة
المصادر
- صحيح البخاري 2236 (تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)
- صحيح مسلم 366 (إذا دبغ الإهاب فقد طهر)
- صحيح مسلم 279 (غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب)
- النووي، «منهاج الطالبين»، باب النجاسة (الشافعية)
- المرغيناني، «الهداية»، كتاب الكراهية (قول أبي حنيفة في الأجرة من غير المسلمين)
الصورة: Diego Delso, The Vakil Bazaar, Shiraz, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور