هل يجوز إعطاء الزكاة لغير المسلمين؟

سؤال رقم 1211

السؤال

هل يجوز أن تُعطى الزكاة أو غيرها من الصدقات لمحتاجين من غير المسلمين؟

ملخص الجواب

اختلف العلماء في ذلك. فقد قصر كثير منهم زكاة المال على المسلمين، غير أن آية مصارف الزكاة (سورة التوبة: 60) لم تذكر ديناً، وفيها سهم «المؤلفة قلوبهم» الذي أعطاه النبي ﷺ رجالاً لم يكونوا قد أسلموا بعد. ويُروى أن عمر رضي الله عنه أدخل في «المساكين» من الآية نفسها شيخاً يهودياً فقيراً. وأما صدقة التطوع فتُعطى لكل محتاج باتفاق العلماء.

الجواب

الحمد لله

An early sepia photograph of the Kaaba in its black cloth cover inside the arcaded courtyard of the Great Mosque of Mecca, with the houses of the city climbing the hills behind.

الزكاة هي الصدقة السنوية التي جعلها الله حقاً للفقراء في أموال من يملكون فوق حاجتهم. وكثيراً ما يسأل المسلمون الذين يؤدونها: هل يجوز أن تصل إلى جار أو زميل في العمل أو أسرة لاجئة من غير المسلمين؟ وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، والقول الأرجح أن الزكاة يجوز أن تبلغ المحتاجين من غير المسلمين عن طريق المصارف التي سمّاها القرآن نفسه، وأن صدقة التطوع تُعطى لكل أحد. فالآية التي بيّنت مستحقي الزكاة لم تذكر الدين أصلاً:

۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ

سورة التوبة: 60

ماذا قال جمهور العلماء؟

ذهب كثير من فقهاء المذاهب السنية الأربعة إلى أن زكاة المال لا تُصرف إلا للمسلمين، واستثنوا من ذلك صنفاً واحداً واضحاً. وعمدة دليلهم وصية النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: أن يُعلم أهلها أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (صحيح البخاري 1395). وفهموا من «فقرائهم» فقراء المسلمين الذين تؤخذ منهم الزكاة، فتدور الزكاة في الجماعة التي وجبت عليها.

وهذا قول له وزنه، والمسلم الذي يأخذ به محسن. وقد اتفق هؤلاء الفقهاء أنفسهم على أن صدقة التطوع تُعطى لكل أحد، وعلى أن كرم المسلم لا ينبغي أن يقف عند حدود أهل دينه.

من هم «المؤلفة قلوبهم»؟

الاستثناء مكتوب في الآية نفسها. فالمؤلفة قلوبهم قوم يُطلب ودّهم للمسلمين، وكان كثير منهم في حياة النبي ﷺ من غير المسلمين. فبعد غزوة حنين أعطى صفوانَ بن أمية، ولم يكن قد أسلم بعد، مئة من الإبل، ثم مئة، ثم مئة. وقال صفوان بعد ذلك:

«وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَعْطَانِي وَإِنَّهُ لأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَىَّ فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ»

صحيح مسلم 2313

وذهب بعض الفقهاء، وفي مقدمتهم الحنفية، إلى أن هذا السهم قد سقط بعد أن أعزّ الله الإسلام، لأن عمر أوقفه حين قويت الجماعة. وذهب آخرون إلى أنه باقٍ حيث كان فيه نفع للمسلمين. والقول الأرجح أنه باقٍ. والمسلمون الذين يعيشون أقليةً، أو جيراناً لغيرهم في المدن المتنوعة، أحوج ما يكونون إلى تأليف القلوب باليد المبسوطة التي أعطى بها النبي ﷺ صفوانَ.

هل أعطى عمر الزكاة لغير مسلم؟

روى القاضي أبو يوسف (ت 182هـ/798م)، صاحب أبي حنيفة، في كتابه «الخراج» أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى مرة شيخاً ضريراً يسأل الناس على باب. فلما عرف أنه يهودي، وأن الكِبَر والحاجة والجزية ألجأته إلى السؤال، أخذ بيده إلى منزله فأعطاه شيئاً، ثم أرسل إلى خازن بيت المال: أن انظر هذا وأمثاله، فما أنصفناه إن أخذنا منه في شبابه ثم خذلناه عند كبره. وتلا: ﴿۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾ (سورة التوبة: 60)، وقال إن الفقراء هم المسلمون، وإن هذا من المساكين من أهل الكتاب. ثم وضع عنه الجزية وعن أمثاله.

ففي هذا الخبر أدخل الخليفة الثاني في لفظ «المساكين» من الآية رجلاً فقيراً على غير دينه. فصدقات الشريعة إنما شُرعت لئلا يبقى في المجتمع المسلم أحد في فاقة، كما يبيّن جوابا ما هي الشريعة الإسلامية؟ وماذا يقول الإسلام عن الفقر والفقراء؟.

هل تجوز الصدقة على غير المسلم؟

نعم، باتفاق العلماء. فقد أثنى القرآن على الأبرار الذين قال فيهم: ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا﴾ (سورة الإنسان: 8)، والأسرى في ذلك الزمان لم يكونوا مسلمين. ولم يضع القرآن حداً للبرّ بأهل الأديان الأخرى الذين يعيشون في سلام:

لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ

سورة الممتحنة: 8

وعلّم النبي ﷺ أن «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (صحيح البخاري 2363)، في حديث الرجل الذي غُفر له لأنه سقى كلباً عطشان. فإذا كان عطش كلب باباً إلى مغفرة الله، فالإنسان الجائع من أي دين كان باب أوسع. وفي جواب هل يجوز للمسلم مصادقة غير المسلمين؟ مزيد بيان لهذه الصلات.

كيف أُخرج زكاتي؟

  • أعطِ المحتاجين من حولك. فالفقراء والمساكين أول من ذكرت الآية، ومدينتك أول ما تنظر فيه.
  • أدخل المحتاجين من غير المسلمين في المصارف التي سمّاها القرآن إذا كان عطاؤك يؤلّف القلوب ويرفع الشدة: أسرة لاجئة، أو نداء إغاثة من كارثة، أو جار أثقله الدَّين.
  • أعطِ سائر صدقاتك بلا حدود. فبنوك الطعام والمستشفيات والملاجئ المفتوحة للجميع صدقة جارية.
  • إن ترددت فاقسم. أعطِ زكاتك لمحتاجي المسلمين، وزِد عليها صدقة سخية لغيرهم. وأحكام حسابها في جواب كيف تُحسب الزكاة، ومن يستحقها؟

كلمة في الختام

يذكّر القرآن المؤمنين بأن هداية الناس إلى الله وحده، وبأن ما ينفقونه من خير يعود إليهم:

وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ

سورة البقرة: 272

اللهم اجعل أموالنا رحمة لكل من تبلغه.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل تجوز الصدقة على غير المسلم؟

نعم. فصدقة التطوع تُعطى لكل محتاج، مسلماً كان أو غير مسلم، وقد أثنى القرآن على الذين يطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً (سورة الإنسان: 8).

هل يجوز إعطاء زكاة الفطر لغير المسلم؟

يصرف أكثر الفقهاء زكاة الفطر إلى فقراء المسلمين حتى يفرح كل بيت مسلم بالعيد. فإذا كُفي المحتاجون من المسلمين، فإعطاء الجيران المحتاجين من أهل الأديان الأخرى قول معتبر وعمل جميل.

هل يجوز أن أعطي زكاتي لأقاربي من غير المسلمين؟

لك أن تعطيهم من صدقة التطوع بلا حرج، وقد أمر النبي ﷺ أسماء أن تصل أمها وهي غير مسلمة (صحيح البخاري 2620). وأما الزكاة نفسها فتجري عليهم أحكامها في كل آخذ: فلا تُعطى لمن تجب عليك نفقته أصلاً، كوالديك وأولادك.

هل تُجزئ الزكاة إذا أُعطيت لغير مسلم؟

إذا أُعطيت في أحد المصارف الثمانية التي في سورة التوبة (الآية 60)، كتأليف القلوب أو سدّ حاجة المسكين كما فعل عمر، فالقول الأرجح أنها تُجزئ زكاةً. فإن ترددت فأعطِ زكاتك لمحتاجي المسلمين، وأجزل لغيرهم من سائر صدقاتك.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. أبو يوسف، «الخراج» (خبر عمر والشيخ اليهودي)
  2. أبو عبيد القاسم بن سلّام، «الأموال»
  3. صحيح البخاري 1395 (بعث معاذ إلى اليمن)
  4. صحيح مسلم 2313 (عطاء النبي ﷺ لصفوان بن أمية)
  5. صحيح البخاري 2363 (في كل كبد رطبة أجر)

الصورة: Muhammad Sadiq Bey, The Kaaba, 1880. Khalili Collections (ARC.pp 211.4). Public domain, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور