هل اللاجنسية حرام في الإسلام؟

سؤال رقم 1129

السؤال

هل يأثم المسلم إذا كان لا يشعر بانجذاب جنسي أو يشعر بقليل منه، وهل يجب على المسلم اللاجنسي أن يتزوج؟

ملخص الجواب

اللاجنسية حلال. فالله لا يكلّف نفساً إلا وسعها (سورة البقرة: 286)، ولا توجد آية ولا حديث يأمر أحداً بأن يشعر بالرغبة. وقد ذكر القرآن نفسه رجالاً لا إربة لهم (سورة النور: 31)، وربط الفقهاء وجوب الزواج بوجود الشهوة، ولم يتزوج علماء كالطبري والنووي وابن تيمية. وللمسلم اللاجنسي أن يبقى دون زواج أو أن يتزوج، مع الصدق والتراضي في أمر العلاقة الحميمة.

الجواب

الحمد لله

A square panel of white Iznik tiles patterned with red, cobalt, and green flowers and leaves inside a scalloped red border.

من الناس من لا يشعر بانجذاب جنسي نحو أحد، أو لا يشعر منه إلا بالقليل. ويسمّي كثير منهم أنفسهم «لاجنسيين» (asexual)، ويختصر بعضهم الكلمة بالإنجليزية إلى «ace». فمنهم من يتوق إلى صحبة عميقة ومنهم من لا يتوق إليها، ومنهم من يتزوج ومنهم من يبقى دون زواج. وكثيراً ما يخشى المسلم اللاجنسي أن يكون غياب الرغبة نقصاً في دينه، أو أن يكون الإسلام قد أوجب عليه الزواج. والجواب رفيق واضح: اللاجنسية حلال. فالله لا يطلب من أحد أن يشعر بما لا يشعر به، وأبواب الحياة الكاملة بالمحبة والعبادة وخدمة الناس مفتوحة لكل مسلم لاجنسي.

هل اللاجنسية حرام في الإسلام؟

الشريعة تخاطب الاختيارات والأفعال، والميل الفطري لا هو اختيار ولا هو فعل، وإنما هو الحال التي يجد الإنسان عليها قلبه. وقد وضع القرآن ميزان كل تكليف:

لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا

سورة البقرة: 286

ولا توجد آية ولا حديث يأمر أحداً بأن يشعر بالرغبة. والقرآن نفسه يذكر أناساً لا رغبة لهم، من غير تعقيب عليهم ولا لوم. ففي تعداد من لا يلزم المرأة أن تستر زينتها عنهم ذكر:

أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ

سورة النور: 31

ووصف طاوس، تلميذ ابن عباس، هذا الرجل بأنه الذي «لاَ حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ» (صحيح البخاري 1927). فالقرآن يعلم أن أمثال هؤلاء يعيشون في كل بيت وكل جماعة، وقد جعل لهم مكاناً في أحكامه.

هل يجب على المسلم اللاجنسي أن يتزوج؟

الزواج سنة محبوبة، وقد بيّن النبي ﷺ من الذي يحثّه عليه:

«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ»

صحيح البخاري 5066

والعلل التي ذكرها ﷺ تتعلق كلها بالشهوة. وعلى هذا بنى الفقهاء، فلم يوجبوا الزواج إلا على من يخشى الوقوع في الزنا بدونه. أما من لا يجد في نفسه هذه الحاجة فالزواج في حقه مباح، وقد نقل الإمام النووي رحمه الله (ت 676هـ/1277م) في «منهاج الطالبين» مذهب الشافعية أن من لا حاجة به إلى النكاح فالأفضل له أن يتفرغ للعبادة.

ويستشهد بعض الناس بقول النبي ﷺ: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (صحيح البخاري 5063). وإنما قاله ﷺ لثلاثة رجال عزم أحدهم أن يصلي الليل أبداً، والثاني أن يصوم الدهر، والثالث ألا يتزوج أبداً، كأن حياة النبي ﷺ المعتدلة قليلة في حقهم. فكان ﷺ يصحّح عزماً على التشدد والغلو، ولم يجعل على من لا تميل به طبيعته إلى الزواج واجباً. وتفصيل المسألة في جواب هل ترك الزواج أو الإنجاب حرام؟

هل من كبار المسلمين من لم يتزوج؟

كثيرون. وقد ألّف العالم السوري عبد الفتاح أبو غدة (ت 1417هـ/1997م) كتاباً كاملاً عنهم هو «العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج». ومنهم المؤرخ والمفسر ابن جرير الطبري (ت 310هـ/923م)، والإمام النووي صاحب «الأربعين النووية» و«رياض الصالحين» اللذين يُقرآن في كل بلاد المسلمين، وابن تيمية (ت 728هـ/1328م). ويذكر التراث أن العابدة الكبيرة رابعة العدوية البصرية ردّت كل من خطبها، إذ وهبت قلبها لله.

ولا يعلم أحد ما في سرائر هؤلاء العلماء، وقد اختلفت أسبابهم. غير أن حياتهم تشهد بأن المسلم يستطيع أن يبلغ ذرى العلم والعبادة وخدمة الناس دون زوج.

هل يجوز للمسلم اللاجنسي أن يتزوج؟

نعم، وكثيرون منهم يتزوجون. والقرآن يصف الزواج بالسكن والمودة والرحمة:

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةً

سورة الروم: 21

ويستقيم هذا الزواج ويصحّ بأمرين:

  • الصدق قبل العقد. فالفقه الإسلامي يعدّ العلاقة الحميمة من حقوق كل من الزوجين، فمن حق من يُقبل على الزواج أن يعلم. وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» (صحيح مسلم 102).
  • التراضي بين الاثنين. فللزوجين أن يرسما حياتهما المشتركة بالتراضي. وقد قال النبي ﷺ: «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (صحيح البخاري 2721). ووهبت زوجه سودة رضي الله عنها يومها لعائشة، فأمضى ﷺ ذلك (صحيح البخاري 5212). ويقول القرآن في مثل هذا الصلح بين الزوجين: ﴿وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞ﴾ (سورة النساء: 128).

فمن المسلمين اللاجنسيين من يتزوج لاجنسياً مثله، ومنهم من يتزوج شريكاً يرحّب بحياة قوامها الصحبة، ومنهم من يجد مع زوجه توازناً بالصبر والرعاية. فإن تبيّن للزوجين أنهما لا يستطيعان أن يقوما بحاجات بعضهما، فلهما أن يفترقا بإحسان (هل الطلاق حرام في الإسلام؟).

ماذا لو ألحّ عليّ أهلي في الزواج؟

أجبهم برفق، واثبت على موقفك. فللوالدين البر والاحترام، ولا حق لهما في أن يدفعا ولدهما إلى زواج لا يريده (هل يجب أن أطيع والديّ في كل شيء؟). والزواج الذي يُعقد بغير رضا حرّ باطل (هل يجوز الزواج بالإكراه في الإسلام؟). وهذه الكرامة نفسها حق لصاحب كل ميل (هل المثلية حرام؟).

دعاء في الختام

الآية التي رفعت كل حمل لا يُطاق تُختم بدعاء:

رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآ

سورة البقرة: 286

ملأ الله حياة كل مسلم لاجنسي بالمحبة في صورها كلها، وقرّب كل قلب إليه.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل يحرم ألا يشعر الإنسان بانجذاب عاطفي (اللارومانسية)؟

لا. فقلة الانجذاب العاطفي أو انعدامه من الطبائع التي خُلق عليها بعض الناس، ويجري عليها الحكم نفسه: فالله يحاسب على الأعمال والأخلاق، والمحبة تتخذ صوراً كثيرة، من الصداقة والأسرة وخدمة الناس إلى التعبد لله.

هل يجب أن أخبر من سأتزوجه بأنني لاجنسي؟

نعم. فلكل من الزوجين في الفقه الإسلامي حق معتبر في العلاقة الحميمة، والصدق قبل العقد يحفظ حق الاثنين. ثم يتفق كثير من الأزواج على حياة مشتركة تناسبهما، وقد جعل النبي ﷺ شروط النكاح أحق الشروط بالوفاء.

هل يجوز لوالديّ أن يجبراني على الزواج إن كنت لاجنسياً؟

لا. فالزواج بغير رضا حرّ من الزوجين باطل، وللوالدين البر والإحسان، ولا يدخل في برّهما أن تطيعهما في الإضرار بنفسك أو بغيرك.

هل اللاجنسية مرض نفسي يحتاج إلى علاج؟

اللاجنسية معروفة على نطاق واسع بوصفها ميلاً من الميول. فإن كان ضعف الرغبة طارئاً أو مقلقاً فللطبيب أن يبحث عن أسبابه الطبية، وإلا فلا شيء فيها يحتاج إلى علاج.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. عبد الفتاح أبو غدة، «العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج»
  2. النووي، «منهاج الطالبين»، كتاب النكاح
  3. صحيح البخاري 5066، 5063، 5212، 2721، 1927
  4. صحيح مسلم 102

الصورة: Ottoman tile makers, Iznik tile panel, second half of the 16th century. Metropolitan Museum of Art, New York. CC0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور