هل التداول اليومي وتداول الخيارات حرام؟

سؤال رقم 1180

السؤال

هل يجوز للمسلم أن يتداول الأسهم تداولاً يومياً، أو يتداول عقود الخيارات، أو يستعمل الهامش والرافعة المالية في الأسواق؟

ملخص الجواب

التداول اليومي في أسهم حقيقية لشركات مباحة حلال، لأن البيع والشراء تجارة، وقد أحل الله البيع. وقد حرّم مجمع الفقه الإسلامي الدولي سنة 1992 شراء الأسهم بقروض الهامش الربوية وبيع الأسهم المقترضة على المكشوف، وقضى بعدم جواز تداول الخيارات على صورتها المعروفة. والتداول الذي ينقلب رهاناً على تقلب الأسعار بمال مقترض يقترب من الميسر والغرر الفاحش، ولا يحفظ مالاً ولا أسرة.

الجواب

الحمد لله

A long vaulted brick bazaar corridor lined with shops of bright folded fabrics, its arches lit by hanging lamps and a window of colored glass.

وضعت تطبيقات التداول سوق الأسهم في كل جيب، وصار كثير من الشباب المسلمين يشترون الأسهم ويبيعونها على هواتفهم بين المحاضرات أو نوبات العمل. والتداول اليومي في أسهم حقيقية لشركات مباحة حلال: فالبيع والشراء تجارة، والله أحل التجارة. وإنما تقع تحذيرات التراث على ما يصاحب التداول اليومي كثيراً: الاقتراض للمضاربة، وبيع ما لا تملك، وعقود هي رهان على تقلب الأسعار، وعادة تصير أشبه بصالة القمار منها بالسوق.

هل التداول اليومي حرام؟

يضع القرآن شرط كل مبادلة مشروعة:

لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡ

سورة النساء: 29

والسهم حصة في ملكية شركة حقيقية (هل الاستثمار في الأسهم حرام؟). ولم يضع الفقه الإسلامي حداً أدنى لمدة الاحتفاظ بما تشتريه، وإنما كان اهتمام الفقهاء بالقبض: فقد قال النبي ﷺ لحكيم بن حزام: «لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (سنن أبي داود 3503، وصححه الألباني). وقرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي سنة 1990 (القرار 53) أن القبض قد يكون حكمياً: فالشيء يُعدّ مقبوضاً إذا خُلّي بينك وبينه ومُكّنت من التصرف فيه كما تشاء، بحسب عرف كل سوق. والأسهم التي تُقيَّد في حسابك ويكون لك أن تبيعها متى شئت تحقق هذا المعيار. فشراؤها وبيعها في اليوم نفسه تجارة مشروعة، بشرط أن تجتاز الشركات معايير الفرز الشرعي المعروفة، وأن تتداول بمالك أنت.

متى يصير التداول قماراً؟

نهى النبي ﷺ عن البيوع القائمة على الغرر الفاحش:

«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ»

صحيح مسلم 1513

وبيع الحصاة أن يرمي المشتري حصاة فيشتري ما وقعت عليه. وقريبه في زماننا الصفقة التي تُعقد على نصيحة عابرة، أو على نمط في الرسم البياني لم يُفهم إلا نصف فهم، أو على أمل في ربح سريع، دون علم بالشركة التي وراء رمز السهم. والقرآن يحرّم الميسر تحريماً قاطعاً (سورة المائدة: 90)، والتداول اليومي ينزلق إليه حين يطارد المتداول نشوة الربح، أو يضاعف رهانه ليسترد خسائره، أو يخاطر بمال مرصود للإيجار والطعام. وقد وجدت دراسات عن المتداولين الأفراد في عدة بلدان أن أكثرهم يخسرون مع مرور الوقت. فالمؤمن الذي يلحظ هذه العلامات في نفسه ينبغي أن يتراجع، كما يتراجع عن أي رهان آخر (هل القمار واليانصيب حرام؟).

هل تداول الخيارات حرام؟

اختلف العلماء في ذلك. فقد قرر المجمع سنة 1992 في قراره رقم 63 أن عقود الخيارات كما تجري في الأسواق العالمية عقود مستحدثة لا تندرج تحت أي عقد من العقود الشرعية، وأن المعقود عليه فيها ليس مالاً ولا منفعة ولا حقاً مالياً، فلا يجوز تداولها. وعلى هذا القرار أكثر هيئات الفتوى، وكثير من المسلمين يجتنبون الخيارات كلها بناءً عليه.

وفي التراث كذلك عقد يشبه خيار الشراء. ففي بيع العربون يدفع المشتري مبلغاً مقدّماً يملك به حق إتمام الشراء خلال مدة محددة، ويخسره إن عدل عن الشراء. وقد أجازه الإمام أحمد بن حنبل، والحديث الوارد في النهي عنه ضعيف (سنن أبي داود 3502، وضعّفه الألباني)، وأقرّه المجمع سنة 1993 (القرار 72) إذا حُددت مدة الانتظار. وفي سنة 2018 أكّد المجمع كذلك أن التحوط، أي حماية المال من المخاطر، متفق مع مقاصد الشريعة، وأن الغاية الأساسية من أي أداة تحوط يجب أن تكون حفظ المال، ولا يجوز أن تكون المضاربة على تقلبات الأسعار (القرار 224).

والقول الأرجح يجري على هذه الأصول. فبيع الخيارات لقبض أثمانها، وشراء الخيارات قصيرة الأجل رهاناً على تقلب الأسعار، فيهما من الغرر ومن أمل المقامر ما تحرّمه الشريعة، فينبغي اجتنابهما. أما الخيار الذي يُتخذ لحماية أسهم تملكها، أو يُشترى خطوةً نحو شراء حقيقي، فهو أقرب إلى بيع العربون وإلى التحوط المشروع. وهذه مسألة اجتهادية، ومن آثر احتياط المجمع فهو على أرض صلبة.

هل التداول بالهامش والبيع على المكشوف والرافعة المالية حرام؟

حرّم قرار المجمع سنة 1992 شراء الأسهم بقرض ربوي من السمسار تُرهن به الأسهم، وبيعَ أسهم لا يملكها البائع اعتماداً على وعد من السمسار بإقراضها. وحسابات الهامش وأكثر صور البيع على المكشوف داخلة في هذين الحكمين، وكلاهما يضاعف الخسارة كما يضاعف الربح. ونصيحة القرآن في الإنفاق تصدق على الرافعة المالية أحسن الصدق:

وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا

سورة الإسراء: 29

ومنتجات الرافعة المالية في العملات الرقمية والعملات الأجنبية تحمل المخاطر نفسها (هل العملات الرقمية حرام؟)، والخلاف في الفائدة نفسها مبيّن في جواب هل فوائد البنوك حرام؟

كيف يتداول المسلم وضميره مطمئن؟

  • تداول بمالك أنت في حساب نقدي، ولا تتداول أبداً بمال تحتاجه أسرتك.
  • افحص كل شركة، وطهّر الجزء اليسير من الدخل الذي يأتي من مصادر محرمة.
  • تعلّم نشاط الشركة، وضع حداً لما تستطيع أن تتحمل خسارته، وسجّل كل صفقة.
  • أخرج الزكاة عن القيمة السوقية للأسهم المقتناة للتداول (كيف تُحسب الزكاة، ومن يستحقها؟).
  • احفظ صلاتك ونومك. فما من حركة سعر تستحق أن تفوتك من أجلها صلاة.
  • توقّف حين يكفّ التداول عن أن يكون تجارة، واطلب العون إن صار إدماناً.

غنى النفس

الأسواق تكافئ الصبر وتعاقب الطمع، وقد بيّن النبي ﷺ أين يكون الغنى الحقيقي:

«لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ»

صحيح البخاري 6446

بارك الله في تجارتك بالصدق، وأقنع قلبك بالحلال، وجعل مالك سبيلاً إلى الخير لأسرتك وللفقراء.

والله أعلم

أسئلة شائعة

هل تداول العملات (الفوركس) حرام؟

صرف العملات جائز إذا كان يداً بيد، كما اشترط النبي ﷺ عند مبادلة الأصناف المختلفة (صحيح مسلم 1587). أما حسابات الفوركس بالرافعة المالية التي تفرض فائدة على إبقاء الصفقة مفتوحة ليلاً، أو تتيح للمتداول أن يراهن بمبالغ مقترضة تبلغ أضعاف إيداعه، فتدخل فيما سبق من التحذير من الهامش والميسر.

هل التداول المتأرجح أو المضاربة السريعة (السكالبينغ) حرام؟

مدة الاحتفاظ بالسهم لا تغيّر الحكم. فشراء أسهم حقيقية لشركات مباحة وبيعها تجارة، سواء احتفظت بها دقائق أو سنين، بشرط أن تتداول بمالك أنت.

هل تجب الزكاة على المتداول اليومي؟

نعم. فالأسهم المقتناة للتداول عروض تجارة، فيُخرج المتداول 2.5% من قيمتها السوقية مع نقده، إذا حال الحول على مال بلغ النصاب.

ماذا يقول علماء الحنفية والشيعة في التداول اليومي؟

يجيز علماء الحنفية، كمحمد تقي العثماني، شراء أسهم الشركات المباحة وبيعها، ويحرّمون قروض الهامش الربوية والبيع على المكشوف. ويجيز فقهاء الجعفرية كذلك التداول في الشركات التي نشاطها مباح.

أسئلة ذات صلة

المصادر

  1. مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار 63 (1/7) بشأن الأسواق المالية (جدة، 1992)
  2. مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرارات 53 (4/6) بشأن القبض، و72 (3/8) بشأن بيع العربون، و224 (8/23) بشأن التحوط، في Resolutions and Recommendations (الطبعة الإنجليزية الثالثة، 2024)
  3. صحيح مسلم 1513، 1587
  4. سنن أبي داود 3502، 3503
  5. صحيح البخاري 6446

الصورة: Diego Delso, The Vakil Bazaar, Shiraz, 2016. CC BY-SA 4.0, via Wikimedia Commons.. مصادر الصور